المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : امرأة في المطار


سلوى فرح
06-06-2011, 09:45 PM
قصة قصيرة

امرأة في المطار
بقلم الكاتبة: سلــــوى فـــــرح
26/1/2011
توجهت إلى أحد المطارات قاصدةً العودة إلى وطني الأم.. عندما وصلت هناك.. وضعت أمتعتي جانبا في قسم الترانزيت.. دلفت إلى الكافيتريا.. كانت رائحة البابونج المغلي وبخاره المتصاعد يشدني، ويثير شهيتي..
جلست على كرسي .. طلبت من النادل إحضار فنجان من البابونج الساخن لي كي أستمد منه دفئا وهدوءا.. ما هي إلا لحظات حتى احضره النادل.. بدأت أرتشف البابونج شيئا فشيئا أثناء انتظاري موعد إقلاع الطائرة التي ستقلني إلى هواء بلادي لأستنشق عبيره ..
شعرت بلذة مذاق البابونج الشرقي، ونكهته الأصيلة التي لم تمتد إليها أيادي التصنيع المزيفة.. لذلك تذوقته بحنين ممزوج بحالات مشاعر الفرح والألم التي خيمت على المطار..
أثناء ذلك، تزاحمت الأسئلة في ذهني، وبدأت تتصاعد مع تصاعد بخار فنجان البابونج وسط ازدحام خطوات المغادرين والقادمين في قسم الترانزيت.
صرت أقلّب نظري هنا وهناك -كما حركة المسافرين- في أرجاء المطار المكتظ.. وأجول في حدائق أفكاري العميقة إلى باطن الوجود.. وأرحل بعواطفي مع المسافرين.. فشاهدت حالة مثيره تختصر ألواناً عدة للحياة بكافة جوانبها..
مغادرون، وقادمون في حركة دؤوبة.. دموع البعض صامتة تتوارى في الأحداق و تأبى الخروج والتعبير.. وبعضها ينهمر كما المطر الغزير.. وتحلق السعادة كفراشات ليلكية في سماء لهفة اللقاء...
وقد لفتت طقوس وداع العشاق انتباهي.. كانت لمسات الأنامل ترتعش من رهبة الوداع وكأنهم يتمنون في تلك اللحظات أن يتوقف الزمن في حضن الفراق.. ولا يرحلون عن بعضهم .. كم هو مرير فراق أرواحنا النابضة في قلوب الآخرين و غمرة الحيرة تكتنف نفوسنا من مشيئة القدر!!..

لقد فَترَ البابونج، وتلاشى بخاره المتصاعد، وهدأت أحلامه المتزاحمة في عناق أفكاري ..وانقطعت حبال تأملاتي اللامتناهية..
نهضت عن الكرسي متثاقلة ثم توجهت نحو دورة مياه السيدات كي أجدد النشاط في عروقي كباقي المسافرات في قسم الترانزيت الخاص في المطار بعد عناء السفر الطويل.. أول ما وقع عليه نظري في مدخل دورة المياه سيدة تقارب الستين من العمر.. ترتدي مريولا أزرق اللون .. لمحت من بين أزراره شبه المقطوعة رداءاً بنياً قديماً.. يبدو أن عثة الثياب التهمت معظم أجزائه.. و قضم الزمان تاريخه.. و أكمام المريول ممزقة.. تائهة تروي قصة الفقر والحرمان ..
كانت تلك المرأة تعقص شعرها للوراء بمنديل أسود حزين.. وتتقدمه بضع خصلات من الشيب ترتمي على جبين الأمل مستغيثة.. قرأت في عينيها الخوف.. كأنها كانت تريد أن لا يمر قطار الحياة دون أن تصعد محطة واحدة فيه كإنسانه لها مشاعر، وأحاسيس، وقيمة إنسانية..
تلك السيدة - بالرغم من الإرهاق الحاضر في طلتها- إلا أنها كانت متماسكة ومتفانية في مساعدة الآخرين، كأنها تعطي فوق طاقتها لتلفت انتباه الآخرين إليها..
كانت نظراتها التساؤلية تطلب التعاطف مع روحها المختنقة.. استوقفتني تلك السيدة وزودتني ببضع محارم ناعمة.. قطعت حب تساؤلاتي التي لا تنتهي بنظرة.. هذا المشهد الإنساني جذبني إليها.. لاحظت في محياها كلاما.. كأنها تقول ولا تقول .. لكن صمتها كان مسموعا وبإحساسي أدركته..
شاهدت من خلال المرآة - وأنا منهمكة في تسريح شعري في دورة المياه- تعابيرها الإيحائية اخترقت قلبي وهزت وجداني هزات عميقة.. حينئذ أحسست شظايا تدميرها الذاتي.. ظللت أختلس النظر إليها بين الفينة والأخرى، علني أتعرف على قصتها.. كانت تخرج كعكة السمسم من جيبها خلسة وتسرق بضع قضمات منها لتسد بها رمق جوعها ثم تعيدها إلى جيب مريولها ثانية.. كأنها - بذلك -لا تريد أن يرى أحد حقيقة حالها البائس..
لاحظت، بالرغم من فقرها المدقع، وجرح الزمان الذي جعل البنفسج ينتحر بين شرايينها النازفة رويداً رويداً ، والقرمز الأحمر الظاهر بين شقوق يديها المُعبر عن انكسار خاطرها وانهيار عرشها.. إلا أنها كانت تقف بشموخ كلبؤة عظيمة..
صارت روحي تلامس شعاع روحها الوضاء الصامت، ونورها المختبئ بين ثنايا الحقيقة.. وجدت بين سطور جبينها فقرات ملحمة امرأة متمردة بللها المطر الأسود، وعلقت خطاها في وحل الظلام.. قرأت إحباطاتها وإخفاقاتها.. وحلمها الذي لا زال يحبو في سرير آلامها.. وآمالها اللؤلؤية التي هاجرت مع رمال القدر وسقطت سهوا في اليم..
سمعت أنين طفولتها البريئة القابعة في ذاتها تنتظر خلاص نفسها من موت أبدي وذل الدونية القاهر.. تنتظر ولادة بريق أمل على مدخل قلبها و حرية روحها المعذبة..
شعرت في نظراتها المحرومة والممزقة ألما ولوما وهي تراقب النساء وهن يتزينّ ويتبرجنّ بالجواهر البراقة اللامعة التي تعانق معاصمهن وتفوح عطورهن في الأثير.. وفي حسراتها المتعالية وآهاتها المختنقة غصة.. كأنها تحلم - ولو للحظات- أن تمثل دور الأنثى الأنيقة، وتجرب ألوان أحمر الشفاه يزين شفتيها الجافتين، والتسريحة المناسبة لوجهها فتوقظ بصيلات الحرية الغافية في قشرة الجمود والتبلد.. وأن تشعر بأنوثتها المجلودة عنفاً بسوط القهر على صخرة الواقع وكينونتها المعدومة بهتانا في حبل الذكورة المتخلفة..
ليس للأمان عنوان في ديارها.. سقطت أوراق سنديانتها المنيفة على قارعة طريق الاستسلام..هجرت النوارس تطلعاتها واعشوشب الحزن على شرفاتها..
وما آلمني أكثر- في ذلك المشهد الغريب- هو تصرف أولئك النسوة اللواتي مررن من أمامها غير مباليات ... بدون حتى لا سلام ولا كلام ولا نظرة ولا إحسان.. رأيتها متسمرة في مكانها كأنها صنم هندي للزينة أو ربما اعتبرتها النساءحجر عثرة في خطواتهن الراكضة المستعجلة التي لا تعرف إلى أين النهاية الحقيقية..
ربما هي تحتاج إلى بعض النقود لتلملم تشردها في ديارها..نعم.. لكنها بحاجة أكثر إلى الإنسانية المفقودة، والمحبة، والعطف من دون مقابل.. و إلى من يلاحظ كسور خواطرها المُجبَرة، والصحراء العطشى في عواطفها، ويُغشي جروحها بلسما..
يا إلهي!! كم كان المشهد محزنا! تستطيع أولئك النسوة رَتّق التمزق الصارخ في عروقها بثمن قلم أحمر الشفاه.. وبنظرة عطف من مشاعرهن توقظ البنفسج ثانية في روحها.. يبدو أن الإنسان لا يمكنه مِلك نعمة الثراء ونعمة الإحساس معا.. وأن العالم المادي لا يلتقي مع العالم الروحي أبدا !!...
بعد الانتهاء من إبحاري في عالم تلك السيدة، قررت محادثتها عن قرب .. اقتربت منها.. حييتها بأحسن تحية .. فردت التحية بصوت مبحوح شبه مسموع..
قلت لها: أيتها السيدة المحترمة يبدو أنك مرهقة.. الله يعطيك العافية...
تلعثمت.. كأن الكلمات هربت إلى جوفها .. أو ربما أنها ليست معتادة أن يناديها أحد بـ السيدة !! إلا أنني كسرت حالة الارتباك بدعوتها لمشاركتي احتساء كوب من الشاي مع تناول الساندويتش ، كي أستمع لهمومها علني أخفف قليلاً من كربتها؟؟
أومأت برأسها خجلة بالموافقة.. اتجهنا معا نحو الكافتيريا ثانية لشرب الشاي مع الساندويتش ، وانتابتها حالة تعجب واستغراب!!
سألتها: ما الذي يجعلك تعملين حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟
أجابت: أنا ولدت وسط عائلة فقيرة مكونة من تسعة أنفار.. وأنا أكبرُ أخواتي وإخوتي.. توفيت أمي ونحن صغار.. أخرجني أبي من المدرسة رغما عني- مع أنني كنت من المتفوقات- واقتلع براعم أفكاري، وحرق كل أحلامي.. وكنت الأم لجميع إخوتي.. أعمل طوال النهار.. و كان أبي يجبرني على العمل كخادمه أثناء العطل الأسبوعية.. وهو قاسي ..ظالم.. أسقاني كأس المر بذلة.. و زوّجني من صديقه الذي يكبرني بثلاثين سنة كي أساعده في أحواله المعيشية.. وتقاذفتني الأمواج هنا وهناك كأشلاء مبعثرة في مهب الرياح..
بعد ذلك.. أذاقني زوجي جميع ألوان العذاب.. وترك في ذمتي أربعة أطفال بعد وفاته ..لذلك قررت أن أكافح لإنقاذهم من شظف العيش.. وأعلمهم وأعوض حلمي الذي حُرمت منه طيلة حياتي، وبقيت أُميّة.. لذلك أنا أكِدُ ليلا نهارا.. أركض خلف لقمة عيشي كي أؤمن مصاريف جامعاتهم.. كما أن ولدي الصغير أصيب بقصور كلوي ويحتاج إلى المال الوفير لغسيل كليتيه..
وتابعت: أرجوك لا تسأليني عن مرحلتيّ طفولتي، وشبابي لأنني لم أعشهما كباقي البشر، ولم أتعرف عليهما، وربما أنهار عندما أتذكرهما...
كانت تحدثني بحرقة .. شعرت بأن روحها خرجت من مكانها ممزقة دامية.. ارتفعت زفرات صدرها.. انهمرت دموعها وهي تكفكفها تارة، وتمسحها بالمحارم الناعمة تارة أخرى.. ثم ساد صمت رهيب..
اخترقت بصوتي هذا الجو الصامت بالتهدئة من روعها. قلت لها: لا عليك أيتها ألعظيمه.. أنت إنسانة رائعة قديرة .. رغم الفقر أنت غنية الأخلاق، والمبادئ، والقيم الإنسانية.. ولا يعني كونك أمية أنك لا تستطيعين عمل شيء.. أنت مثقفة الروح.. ولبيبة الفطرة.. وأن الجهاد في سبيل الأسرة هو أحد أنواع الجهاد في سبيل الله.. هذه لمسة عالية في روحك.. كوني فخورة بذاتك و سيشع نور الله في حلكة لياليك لأنك صادقة تقية..
بدأت أسارير وجهها تنفرج.. ولمحت طيف برعم حلم صغير يولد من بسماتها الشاحبة .. وبريق يشبه الأمل قد لمع في مقلتيها الراغبة في الحياة..
كان الوقت قد داهمنا .. رَبتُّ على كتفها.. عانقتها بحرارة.. أعطيتها شيئا من هدايا الله.. شكرتها على الجلسة الودية، وفتح قلبها ومشاعرها لي.. وتعاهدنا على التواصل من وقت إلى أخر.. وقد اقترب موعد إقلاع الطائرة مع الانتهاء من شربنا للشاي المنعنع..
توجهت إلى أمتعتي.. أمسكت بحقيبتي أجرها من الخلف، وعيوننا لم تفارق بعضها البعض حتى ولجت في باحة استقبال المغادرين لتسليم أوراقي الثبوتية لموظفي المطار..
أقلعت الطائرة ليلا.. ولم تفارق حكاية تلك المرأة مخيلتي طوال رحلة الطائرة.. كما تركت في ذهني عدة أسئلة بحاجة إلى إجابات.. لماذا نحن البشر لا نحب رؤية حطامنا الداخلي وتشويهه الحاصل عبر السنين ولا نريد الاعتراف به بينا ؟؟ ولماذا لا نتعاطف مع بعضنا البعض ونتبادل المشاعر الروحية؟؟ ونكون كالبلسم الشافي لجروح الزمن!!..
جميل أن نبحر في عواطف الآخرين ونشاركهم همومهم وأفراحهم ونتواصل مع أسرار قلوبهم.. إنها حالة راقية مرهفة الإحساس كما رهافة صبا الموج، وعذبة كعذوبة قطر الندى على شفاه زهر الرمان..
يبقى الإنسان يتمتع بقيمة فعاله مهما تعصف به رياح القدر وتتقاذفه براكين العذاب.. فهناك محطات راحلة ومحطات قادمة ويبقى الخلود في المحبة، والإيمان، والتعاطف، والإحساس، وهي البلسم الأبدي لجروحنا.

__________
* كندا- tender.breeze@hotmail.com

أحـمـد صـافي
06-07-2011, 01:11 AM
الكاتبة القديرة :: سوى فرح

في الحقيقة لقد إستمتعت كثيرا ً في قرأتي لما سطورته يمناك ِ بين سطور هذه القصة

عطرة المضمون أنقية المعنى بدون مجاملة , كما أعجبتني فكرتك ِ و براعتك ِ في السرد

عشت أحداث كاتبتها بكل مشاهدها الحزينة و مشاهدها الواجدانية المفعم بأريج الأصالة

و لا يسعني إلا أن أقدم لك باقات من الشكر ,والإمتنان على رقـي ما حلقـت فيـه سمائـه

نتمنى أن لا تحرمينا ألق هذه الإبداع .. بإنتظار زهر اللبيلسان وربيع ما يخطه قلمكِ الرائع
تحيتي

أحـمـد صـافي
06-07-2011, 01:14 AM
أتشرف بتقييم ما خطه قلمك ِ الأنيــق

و يسعدني تثبيت هذا الألق المشرق
تحيتي

سلوى فرح
06-07-2011, 08:40 AM
شكرا لتعليقك الدافئ المعطر ..لقد أغدقت علي بعباراتك السخية كل التقدير لك وشكرا لتثبيت النص مع نفحات الياسمين لك وللمنتدى المخملي..دمت بعطاء

رجب الجوابرة
06-07-2011, 10:34 AM
العزيزة الغالية سلوى فرح حفظها الله
لم يخب ظني بكِ أيتها الكاتبة الرائعة ... فهذه قصه مع وصفها بدقة رائعة جدا ودموعي تساقطت من هول المأساة الانسانية ... سلمت يداكِ ... وكل احترامي وتقديري لقلمك وفكرك الرائع ... وانا أشجعك أن تواصلي كتابة مثل هذا النوع من الكتابة .. ومن هذه القصص القصيرة .. أجمل تحياتي القلبية ...
رجب الجوابرة

سلوى فرح
06-07-2011, 10:54 AM
أعتز في شهادتك الغالية وسعيدة أن القصة تركت أثرا في نفسك..شكرا لهذا التفاعل الايجابي ودمت بألف خير وصحة جيدة مع فائق الإحترام والمحبة الأبوية لك.

غالية طرابيشي
06-07-2011, 09:01 PM
السلام عليكم ..
غاليتي المتألقة سلوى
كنت هناك بين نظرات المسافرين
ودقات قلوب العاشقين وهي تدق لحن الوداع
ما اروعك غاليتي
ما اروع وصفك وترتيب مشاعرك
دمت بألف ود

سلوى فرح
06-07-2011, 09:43 PM
أسعدني مرورك العطري وشكرا لكلماتك الشفافة المعبرة..كل المحبة وأجمل المنى..

محمد صافي
07-18-2011, 04:44 AM
الكاتبة القديرة سلوى فرح
كم هو معبر حرفكِ
دمتِ ودام الألق
ود لا ينتهي

سلوى فرح
07-19-2011, 11:37 AM
وحضورك كريم عزيز..شكرا لاهتمامك وكلماتك اللطيفة