أكرم عطوة
08-24-2010, 05:15 AM
في غرّة هذا الشهر الفضيل .. شهر رمضان المبارك .. توفيت في مدينة دمشق .. السيدة أمّ منصور .. والدة الأخ والصديق الغالي الشاعر المرحوم منصور منصور .. وجدة الابنة الغالية آلاء برادعي ...
رحم الله الفقيدة الغالية وأسكنها في فسيح جناته ..
العزاء لروح أخي الغالي الشاعر منصور .. الذي ترفرف روحه الآن بأجنحتها الملائكية بين جبل النار حيث روح أبيه .. وجبل الجرمق حيث روح أمّه ..
والعزاء أيضاً للسيدة الفاضلة إمّ آلاء ..
والعزاء كل العزاء للابنة الغالية آلاء
(إذا استطاعوا أن يبعدوا عن وطننا أجسادنا ..
فلن يستطيعوا أن يبعدوا أرواحنا وأكبادنا)
(فيا روحي طيري فوراً وارتقي
وتناثري ثلجاً في أعالي الجرمق)
(كفف دموعكَ ياولد
غداً يبلى ذاك الجسد
وتبقى منه عظاميَ
ارجع إلى صفد
هناك روحي باقيةَ)
لاشك أنّ الفلسطيني حين يموت ... ترحلُ روحُه إلى وطنه فلسطين حيث مدينته وقريته وحارته .. لكن هناك أرواح ترحلُ إلى فلسطين وأصحابها مازالوا أحياء .. من هذه الأرواح روح آلاء ... ومن لا يعرف آلاء .. لايعرف كيف يكون الوفاء .. وفاء .
رسالة إلى الأخت آلاء برادعي بقلم: أكرم عطوة
نشرت هذه الرسالة بتاريخ 21- 4- 2009 في دنيا الرأي
أرسلتُ إلى الأخت آلاء برادعي نصاً نثرياً وشعرياً بعنوان "أرواحنا في صفد" وهو عبارة عن فكرة لفيلم قصير عن صفد .. فأرسلت لي الأخت آلاء الرسالة التالية:
الأخ أكرم عطوة:
تحية وبعد.
أشكرك على هذا النص .. الذي أبكاني في أكثر من مقطع، والذي جعلني أشعر بالحرقة والغصّة وأنا أتخيل نفسي في مكان أسعد .. و ما إنْ انتهيتُ من قراءته .. حتى عدتُ إليه مرة أخرى لتزداد الحرقة والغصة أكثر فأكثر...
فكرتُ كثيراً بالطريقة التي سأقول لك فيها بأنّ النص جميل .. لكنّني لم أجد سوى طريقة واحدة .. هي
"إنّ روحي قد ذهبت مع أسعد إلى صفد" .
صدّقني أنّني لا أبالغ ولا أجامل حين أقول: أنّ النص جميل بل أكثر من رائع.. ولا أخفي عنّك أمراً ربما تعرفه .. هو أنّه حين يكون الموضوع عن صفد أشعر وللأسف بشيء من الخصوصية.التي تجعله متميزاً عن غيره من المواضيع .. ففلسطين كلها حبيبتي .. وكل قرية ومدينة فيها هي أغلى من روحي .. لكن صفد بالنسبة لي موضوع آخر..
أخي أكرم .. تقبل تحياتي
آلاء بــرادعــي
وهذه رسالتي إلى الأخت آلاء
آلاء .. يا أختي الغالية
لقد استطعتِ بكلماتٍ قليلة أن تقولي أشياء كثيرة .. ولا يمكن لأحد مهما أوتي من بلاغة في التعبير أن يقول أكثر مما قلتِ .. لقد قلت: "أعجبني النص إلى درجة أن روحي قد ذهبت مع أسعد إلى صفد" .. ماذا يمكنكِ أن تقولي أكثر من ذلك ؟؟
أنا أعرف يا آلاء ماذا تعني صفد بالنسبة لكِ .. أعرف هذا منذ أن قرأتُ لكِ التعليق الأول، وكان وقتها على قصيدة "يا صفدُ .." .. إلى درجة أنّني أصبحتُ أتخيل .. وأنتِ تقرئين قصيدة جديدة عن صفد .. تلك الدموع الغالية وهي تتلألأ في عينيك .. حتى أنّني كتبتُ معقباً على أحد تعليقاتك ما يلي: "آلاء .. لقد أصبحتُ أخجل من دموعك الغالية" .. من هنا فإنّني لم أفاجأ بتأثرك بالنص ..
آلاء .. يا أختي الغالية
في رسالتكِ الكريمة وردت عبارة .. لفتت انتباهي .. هذه العبارة هي: حين يكون الموضوع عن صفد أشعر وللأسف بشيء من الخصوصية .. تجعله متميزاً عن غيره من المواضيع .. ففلسطين كلها حبيبتي .. وكل قرية ومدينة فيها هي أغلى من روحي .. لكنّ صفد بالنسبة لي موضوع آخر..
هذه الخصوصية بالنسبة لكِ يا آلاء .. وبالنسبة لكل صفدي .. هي موضع افتخار لا موضع أسف ..لا لأن صفد أجمل أو أهم من باقي المدن الفلسطينية .. بل لأن صفد هي مدينتنا .. كلّ ذرة تراب في أي قرية أو مدينة فلسطينية تستحق أنهاراً من دمائنا .. لكن الحيفاوي يرى فلسطين من خلال حيفا، واليافاوي يراها من خلال يافا.. وكذلك العكاوي والنابلسي والغزاوي ...
هناك شخص فلسطيني من قرية "عين غزال" المهدمة .. يعيش الآن في الدنمارك .. سألته حين التقيت به في بيروت منذ أعوام: هل حقاً الدنمارك جميلة كما يُقال؟ .. قال: فلسطين أجمل بقعة في العالم .. و"عين غزال" أجمل بقعة في فلسطين .. قلت له مازحاً: ماذا تبقي من "عين غزال" غير تلك الأكوام من الخراب .. دمعت عيناه وقال: ما أجمل تلك الأكوام !! .. ثم قال: لو عادت لي كل فلسطين ماعدا تلك الأكوام من الخراب .. لما قبلت .
آلاء .. يا أختي الغالية
أسعد السعدي ذلك الصفدي الذي عاش ربع قرن في كندا .. قال حين ذهب إلى صفد: اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا وكافة القرى التي شاهدتها وأنا في طريقي إلى صفد .. محطات تسخين استعداداً للقاء المنتظر ..
وحين وصل إلى صفد أصبح كلّ شيء فيه يهتز ويرتجف اغرورقت عيناه بالدموع .. لم يعد يستطيع الرؤية .. أغلق عينيه حتى ظنّه السائق نائماً .. فقال له: أيعقل أنْ تنام الآن ..؟
القارئ سيستنتج من خلال استغراب السائق .. أنّ أسعد كان طوال الطريق يسأل السائق بشكل متكرر: متى سنصل إلى صفد؟ .. متى سنصل إلى صفد؟ .. وحينما وصل إلى صفد .. أغلق عينيه لأنّه لم يستطع أنْ يحتمل رؤية حبيبته (صفد) وهي في أحضان مغتصبيها .. لكنّه بعد قليل أخذ يستعيد توازنه شيئاً فشيئاً .. وأخذ يبحث عن شيء يخصّه هو بالذات في صفد .. "القلعة" .. قال مخاطباً قلعة صفد: أين أنتِ يا قلعة صفد ؟ أما زلتِ تنتظرين الملك الظاهر؟؟ لالا .. لاتفتحي زراعيك فلستُ أنا من تنتظرين.
بعد ذلك بدأ يبحث عن بيت جده وأبيه في حي القلعة .. حتى رآه وأنت تعرفين ماذا حصل له عندما رآه ؟
إذاً الشوق عند أسعد بدأ حين رأى الكل العام (فلسطين) ثم بدأ هذا الشوق يتصاعد بالتدريج حتى وصل إلى قمته حين رأى الجزء الخاص به .. صفد .. ثمّ حي القلعة .. ثمّ بيت أهله ..
وتأكيداً لتعلّق الإنسان بخصوصيات خاصة به وحده .. رأيت في أحد الأفلام التسجيلية المرحوم هشام شرابي وهو يضع يده على جدار بيته في يافا (عندما زارها) .. ويقول لمرافقيه: هنا كان ياسمينة .. لقد وصلت خصوصيات تعلقه بفلسطين إلى ياسمينة كانت بالقرب من جدار في بيته .. مازال يذكرها ويحنّ إليها..
في أحد المواقع الفلسطينية يتحدث شخص فلسطيني اسمه فادي البطل يعيش في إحدى الدول الأجنبية عن شجرة جميز في قريته "أم حوض" فيقول كلما رأيت شخصاً قادماً من حيفا .. أسأله عن شجرة الجميز هل مازالت موجودة في مدخل القرية ؟ .
هذه هي الوطنية وهذا هو حبّ الوطن .. من الكلّ إلى الجزء ومن الجزء الكبير إلى الجزء الأصغر ..
والذين يطالبون بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع من أجل إنهاء الصراع في المنطقة (حسب مبادرة السلام العربية) واهمون .. لأنّه لا يمكن أن تكون هذه الدولة بديلاً عن مدننا وقرانا في فلسطين ..
ففي قصيدة "قلبنا" التي نشرتها في دنيا الرأي قبل حوالي شهر .. قلت في مطلعها:
قلبنا سيظلُّ في غزّة
جريحا
وستبقى العين تبكي
في أريحا
حتى تكبّر في يافا
مآذنها
في يوم عودتنا
حمداً وتسبيحا
ثم أقول:
مخيم جنين يصرخ من أزقته
كصُراخ صبرا حين استبيحا
المخيم مخيم والذين فيه لاجئون معاناتهم واحدة .. بغض النظر كان المخيم في بيروت أو في قلب فلسطين.
بل أكثر ذلك .. الأم .. أي أم .. وهي رمز الحنان والحب .. لا يمكنها أنْ تميز أحداً من أولادها عن الآخرين .. لكن إذا مرض أحدهم أو ألمّ به ما يزعجه .. يصبح محطّ اهتمامها دون الآخرين .. أقصد أن أقول أنّ أي فلسطيني أو عربي لن يكون سعيداً إذا بقيت قرية واحدة في فلسطين تأنّ تحت نير الاحتلال .. وستصبح هذه القرية هي همه الأول الوطني والقومي.
قسماً لن تنام العين فينا
ولن تهدأ روحنا أو تستريحا
حتى ترفرف "طيرتنا" لنا
وتعانق أهلها "ترشيحا"
سألت أحد الذين حضروا مؤتمراً لدفاع عن حقّ العودة في أحدى الدول .. وكان يقيم معي في ذات الغرفة في الفندق .. أنتَ لستَ لاجئاً .. أنت تقيم في الناصرة في مدينتك الأصلية .. فما علاقتك بحقّ العودة .. قال: لن أطمئنّ على مستقبلي ومستقبل أطفالي في الناصرة إلا إذا عاد كلّ اللاجئين الفلسطينيين كلٍ إلى مدينته وقريته الأصلية .. ثم قال بوعي أشهد أنّه قمة الوعي القومي .. "كل عربي في أي مدينة عربية .. لن يكون بخير إذا بقي الكيان الصهيوني بخير ولو في تل أبيب لوحدها" .
آلاء .. أيتها الأخت الغالية
أحيّيك لأنّك فلسطينية حتى العظم .. والدليل على ذلك هو حبّكِ لمدينتك صفد .. وأحيّيك لأنّك عربية حتى العظم .. والدليل على ذلك هو حبّكِ لمدينتك صفد .. وأتوجّه من خلالكِ بالتحية إلى أخواتنا وأخوتنا العرب .. فأقول لهم: حين نغنّي جميعاً لفلسطين ..أو لأيّة مدينة في فلسطين .. فلأنّ فلسطين هي جرحنا جميعاً .. وهو الجرح الذي يجعلنا نعيش همّاً واحداً .. وقضية واحدة .. وأختم وأقول باسم كلّ عربي:
جُرحُنا قد التهبْ
في نخلةٍ داميةْ
جذرُها في النقبْ
وفرعُها في صفدْ
انتهت الرسالة ... وقد عقب الشاعر المرحوم منصور منصور على هذه الرسالة بالكلمات التالية:
أخي وعزيزي أكرم
لك ولابنة أختي آلاء حبي وتقديري لهذا الوفاء الفلسطيني المقدس لمدينة صفد وكل مدن وقرى فلسطين الحبيبة الغالية على قلوبنا جميعا .
بوفاء وتقدير
منصور منصور
رحم الله الفقيدة الغالية وأسكنها في فسيح جناته ..
العزاء لروح أخي الغالي الشاعر منصور .. الذي ترفرف روحه الآن بأجنحتها الملائكية بين جبل النار حيث روح أبيه .. وجبل الجرمق حيث روح أمّه ..
والعزاء أيضاً للسيدة الفاضلة إمّ آلاء ..
والعزاء كل العزاء للابنة الغالية آلاء
(إذا استطاعوا أن يبعدوا عن وطننا أجسادنا ..
فلن يستطيعوا أن يبعدوا أرواحنا وأكبادنا)
(فيا روحي طيري فوراً وارتقي
وتناثري ثلجاً في أعالي الجرمق)
(كفف دموعكَ ياولد
غداً يبلى ذاك الجسد
وتبقى منه عظاميَ
ارجع إلى صفد
هناك روحي باقيةَ)
لاشك أنّ الفلسطيني حين يموت ... ترحلُ روحُه إلى وطنه فلسطين حيث مدينته وقريته وحارته .. لكن هناك أرواح ترحلُ إلى فلسطين وأصحابها مازالوا أحياء .. من هذه الأرواح روح آلاء ... ومن لا يعرف آلاء .. لايعرف كيف يكون الوفاء .. وفاء .
رسالة إلى الأخت آلاء برادعي بقلم: أكرم عطوة
نشرت هذه الرسالة بتاريخ 21- 4- 2009 في دنيا الرأي
أرسلتُ إلى الأخت آلاء برادعي نصاً نثرياً وشعرياً بعنوان "أرواحنا في صفد" وهو عبارة عن فكرة لفيلم قصير عن صفد .. فأرسلت لي الأخت آلاء الرسالة التالية:
الأخ أكرم عطوة:
تحية وبعد.
أشكرك على هذا النص .. الذي أبكاني في أكثر من مقطع، والذي جعلني أشعر بالحرقة والغصّة وأنا أتخيل نفسي في مكان أسعد .. و ما إنْ انتهيتُ من قراءته .. حتى عدتُ إليه مرة أخرى لتزداد الحرقة والغصة أكثر فأكثر...
فكرتُ كثيراً بالطريقة التي سأقول لك فيها بأنّ النص جميل .. لكنّني لم أجد سوى طريقة واحدة .. هي
"إنّ روحي قد ذهبت مع أسعد إلى صفد" .
صدّقني أنّني لا أبالغ ولا أجامل حين أقول: أنّ النص جميل بل أكثر من رائع.. ولا أخفي عنّك أمراً ربما تعرفه .. هو أنّه حين يكون الموضوع عن صفد أشعر وللأسف بشيء من الخصوصية.التي تجعله متميزاً عن غيره من المواضيع .. ففلسطين كلها حبيبتي .. وكل قرية ومدينة فيها هي أغلى من روحي .. لكن صفد بالنسبة لي موضوع آخر..
أخي أكرم .. تقبل تحياتي
آلاء بــرادعــي
وهذه رسالتي إلى الأخت آلاء
آلاء .. يا أختي الغالية
لقد استطعتِ بكلماتٍ قليلة أن تقولي أشياء كثيرة .. ولا يمكن لأحد مهما أوتي من بلاغة في التعبير أن يقول أكثر مما قلتِ .. لقد قلت: "أعجبني النص إلى درجة أن روحي قد ذهبت مع أسعد إلى صفد" .. ماذا يمكنكِ أن تقولي أكثر من ذلك ؟؟
أنا أعرف يا آلاء ماذا تعني صفد بالنسبة لكِ .. أعرف هذا منذ أن قرأتُ لكِ التعليق الأول، وكان وقتها على قصيدة "يا صفدُ .." .. إلى درجة أنّني أصبحتُ أتخيل .. وأنتِ تقرئين قصيدة جديدة عن صفد .. تلك الدموع الغالية وهي تتلألأ في عينيك .. حتى أنّني كتبتُ معقباً على أحد تعليقاتك ما يلي: "آلاء .. لقد أصبحتُ أخجل من دموعك الغالية" .. من هنا فإنّني لم أفاجأ بتأثرك بالنص ..
آلاء .. يا أختي الغالية
في رسالتكِ الكريمة وردت عبارة .. لفتت انتباهي .. هذه العبارة هي: حين يكون الموضوع عن صفد أشعر وللأسف بشيء من الخصوصية .. تجعله متميزاً عن غيره من المواضيع .. ففلسطين كلها حبيبتي .. وكل قرية ومدينة فيها هي أغلى من روحي .. لكنّ صفد بالنسبة لي موضوع آخر..
هذه الخصوصية بالنسبة لكِ يا آلاء .. وبالنسبة لكل صفدي .. هي موضع افتخار لا موضع أسف ..لا لأن صفد أجمل أو أهم من باقي المدن الفلسطينية .. بل لأن صفد هي مدينتنا .. كلّ ذرة تراب في أي قرية أو مدينة فلسطينية تستحق أنهاراً من دمائنا .. لكن الحيفاوي يرى فلسطين من خلال حيفا، واليافاوي يراها من خلال يافا.. وكذلك العكاوي والنابلسي والغزاوي ...
هناك شخص فلسطيني من قرية "عين غزال" المهدمة .. يعيش الآن في الدنمارك .. سألته حين التقيت به في بيروت منذ أعوام: هل حقاً الدنمارك جميلة كما يُقال؟ .. قال: فلسطين أجمل بقعة في العالم .. و"عين غزال" أجمل بقعة في فلسطين .. قلت له مازحاً: ماذا تبقي من "عين غزال" غير تلك الأكوام من الخراب .. دمعت عيناه وقال: ما أجمل تلك الأكوام !! .. ثم قال: لو عادت لي كل فلسطين ماعدا تلك الأكوام من الخراب .. لما قبلت .
آلاء .. يا أختي الغالية
أسعد السعدي ذلك الصفدي الذي عاش ربع قرن في كندا .. قال حين ذهب إلى صفد: اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا وكافة القرى التي شاهدتها وأنا في طريقي إلى صفد .. محطات تسخين استعداداً للقاء المنتظر ..
وحين وصل إلى صفد أصبح كلّ شيء فيه يهتز ويرتجف اغرورقت عيناه بالدموع .. لم يعد يستطيع الرؤية .. أغلق عينيه حتى ظنّه السائق نائماً .. فقال له: أيعقل أنْ تنام الآن ..؟
القارئ سيستنتج من خلال استغراب السائق .. أنّ أسعد كان طوال الطريق يسأل السائق بشكل متكرر: متى سنصل إلى صفد؟ .. متى سنصل إلى صفد؟ .. وحينما وصل إلى صفد .. أغلق عينيه لأنّه لم يستطع أنْ يحتمل رؤية حبيبته (صفد) وهي في أحضان مغتصبيها .. لكنّه بعد قليل أخذ يستعيد توازنه شيئاً فشيئاً .. وأخذ يبحث عن شيء يخصّه هو بالذات في صفد .. "القلعة" .. قال مخاطباً قلعة صفد: أين أنتِ يا قلعة صفد ؟ أما زلتِ تنتظرين الملك الظاهر؟؟ لالا .. لاتفتحي زراعيك فلستُ أنا من تنتظرين.
بعد ذلك بدأ يبحث عن بيت جده وأبيه في حي القلعة .. حتى رآه وأنت تعرفين ماذا حصل له عندما رآه ؟
إذاً الشوق عند أسعد بدأ حين رأى الكل العام (فلسطين) ثم بدأ هذا الشوق يتصاعد بالتدريج حتى وصل إلى قمته حين رأى الجزء الخاص به .. صفد .. ثمّ حي القلعة .. ثمّ بيت أهله ..
وتأكيداً لتعلّق الإنسان بخصوصيات خاصة به وحده .. رأيت في أحد الأفلام التسجيلية المرحوم هشام شرابي وهو يضع يده على جدار بيته في يافا (عندما زارها) .. ويقول لمرافقيه: هنا كان ياسمينة .. لقد وصلت خصوصيات تعلقه بفلسطين إلى ياسمينة كانت بالقرب من جدار في بيته .. مازال يذكرها ويحنّ إليها..
في أحد المواقع الفلسطينية يتحدث شخص فلسطيني اسمه فادي البطل يعيش في إحدى الدول الأجنبية عن شجرة جميز في قريته "أم حوض" فيقول كلما رأيت شخصاً قادماً من حيفا .. أسأله عن شجرة الجميز هل مازالت موجودة في مدخل القرية ؟ .
هذه هي الوطنية وهذا هو حبّ الوطن .. من الكلّ إلى الجزء ومن الجزء الكبير إلى الجزء الأصغر ..
والذين يطالبون بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع من أجل إنهاء الصراع في المنطقة (حسب مبادرة السلام العربية) واهمون .. لأنّه لا يمكن أن تكون هذه الدولة بديلاً عن مدننا وقرانا في فلسطين ..
ففي قصيدة "قلبنا" التي نشرتها في دنيا الرأي قبل حوالي شهر .. قلت في مطلعها:
قلبنا سيظلُّ في غزّة
جريحا
وستبقى العين تبكي
في أريحا
حتى تكبّر في يافا
مآذنها
في يوم عودتنا
حمداً وتسبيحا
ثم أقول:
مخيم جنين يصرخ من أزقته
كصُراخ صبرا حين استبيحا
المخيم مخيم والذين فيه لاجئون معاناتهم واحدة .. بغض النظر كان المخيم في بيروت أو في قلب فلسطين.
بل أكثر ذلك .. الأم .. أي أم .. وهي رمز الحنان والحب .. لا يمكنها أنْ تميز أحداً من أولادها عن الآخرين .. لكن إذا مرض أحدهم أو ألمّ به ما يزعجه .. يصبح محطّ اهتمامها دون الآخرين .. أقصد أن أقول أنّ أي فلسطيني أو عربي لن يكون سعيداً إذا بقيت قرية واحدة في فلسطين تأنّ تحت نير الاحتلال .. وستصبح هذه القرية هي همه الأول الوطني والقومي.
قسماً لن تنام العين فينا
ولن تهدأ روحنا أو تستريحا
حتى ترفرف "طيرتنا" لنا
وتعانق أهلها "ترشيحا"
سألت أحد الذين حضروا مؤتمراً لدفاع عن حقّ العودة في أحدى الدول .. وكان يقيم معي في ذات الغرفة في الفندق .. أنتَ لستَ لاجئاً .. أنت تقيم في الناصرة في مدينتك الأصلية .. فما علاقتك بحقّ العودة .. قال: لن أطمئنّ على مستقبلي ومستقبل أطفالي في الناصرة إلا إذا عاد كلّ اللاجئين الفلسطينيين كلٍ إلى مدينته وقريته الأصلية .. ثم قال بوعي أشهد أنّه قمة الوعي القومي .. "كل عربي في أي مدينة عربية .. لن يكون بخير إذا بقي الكيان الصهيوني بخير ولو في تل أبيب لوحدها" .
آلاء .. أيتها الأخت الغالية
أحيّيك لأنّك فلسطينية حتى العظم .. والدليل على ذلك هو حبّكِ لمدينتك صفد .. وأحيّيك لأنّك عربية حتى العظم .. والدليل على ذلك هو حبّكِ لمدينتك صفد .. وأتوجّه من خلالكِ بالتحية إلى أخواتنا وأخوتنا العرب .. فأقول لهم: حين نغنّي جميعاً لفلسطين ..أو لأيّة مدينة في فلسطين .. فلأنّ فلسطين هي جرحنا جميعاً .. وهو الجرح الذي يجعلنا نعيش همّاً واحداً .. وقضية واحدة .. وأختم وأقول باسم كلّ عربي:
جُرحُنا قد التهبْ
في نخلةٍ داميةْ
جذرُها في النقبْ
وفرعُها في صفدْ
انتهت الرسالة ... وقد عقب الشاعر المرحوم منصور منصور على هذه الرسالة بالكلمات التالية:
أخي وعزيزي أكرم
لك ولابنة أختي آلاء حبي وتقديري لهذا الوفاء الفلسطيني المقدس لمدينة صفد وكل مدن وقرى فلسطين الحبيبة الغالية على قلوبنا جميعا .
بوفاء وتقدير
منصور منصور