أكرم عطوة
08-16-2010, 01:24 PM
أحلام لاجئ عطشان!!
بعد عصر اليوم الأول من أيام شهر رمضان.. عاد أبو العبد.. الذي يعمل حدّاد بيتون.. إلى بيته على آخر نفس.. عاد بعد سبع ساعات عمل متواصل تحت الشمس.. وساعة أخرى أيضاً تحت الشمس.. يجاهد فيها جهاد الأبطال.. كي يجد مكاناً له في أيّة وسيلة نقل تنقله إلى المخيم..
صَبَّ أبو العبد الماء البارد على رأسه دون فائدة.. حاول أن ينام.. لكنّه لم يستطع.. الحرّ شديد، والعطش أشد.. لذا حَمل كرسيّه الصغير، وجلس أمام بيته الكائن في ذلك الزقاق الضيق من ذلك المخيم..
أسند ظهره المتعب إلى جدارٍ من الصفيح المدعّم قليلاً بالإسمنت.. وبدأ يراقبُ الذاهبين والقادمين.. علّه يلهو بالنظر إليهم .. عن عطشه الشديد.. لكن تداعيات خياله أخذته إلى عالمٍ آخر... !!
ليت أنّني الآن في الأسكيمو.. حيث لا حرّ ولا عطش.. الثلوج تحيط بي من كلّ جانب.. أتمرغ عليها.. أطفئ هذا اللهيب الذي يشتعل في بدني.. لو كنتُ من الأغنياء لمكثت طوال شهر رمضان في الأسكيمو.. الأغنياء ليسوا بحاجة للأسكيمو.. عندهم مكيفات تجعل بيوتهم أبرد من الأسكيمو.. أصلاً الأغنياء كما قال ذلك الممثل، الذي نسيت اسمه.. يقضون معظم وقتهم في (البانيو..)!
في هذه الأثناء مرّ جاره وصديق عمره أبو سليم، مرّ دون أن يقف، كان يستند بيده اليمنى على عكازه، ويحمل بيده اليسرى باقة بقدونس وباقة نعناع وعرقي خس.. من نشاف ريقه لم يستطع أن يتلفظ بكلمة السلام عليكم، فسلَّم على أبي العبد بحركة خاصة من رأسه.
- إلى أين ذاهب؟ تعال استرح قليلاً... يا ولد يا مرعي هاتِ كرسياً لعمك أبي سليم.
- لا، لا، لا أستطيع الجلوس.. أمّ سليم تنتظر.. ألا ترى ماذا أحمل لها من أجل الفتوش؟
- سيقوم الولد بإيصالهم لها، تعال اجلس.. أنا مشتاق لك!
- قل كلاماً آخر، قل تريدني أن أجلس معك لأسليك! أنا ذاهب إلى النوم.. ما في أحلى من النوم في رمضان!
- لكن الصائم النائم أجره أقل من..
- أقل.. أكثر.. سأنام.
كيف يستطيع أبو سليم أن ينام؟ هذا الرجل محظوظ، محظوظ بكل شيء، أنا لا أحسده، هو يقول ذلك..
- أتذكر يا أبا العبد أيام الثلجات السبعة الكبار.. وقتها مات أكثر من ثلاثين طفلاً في هذا المخيم.. ألا تذكر؟
- طبعاً أذكر، وهل هذا شيءٌ يُنسى؟
- كنتُ وقتها في عزّ شبابي، قلت.. إذا مات في كل سنة ثلاثون طفلاً في كل مخيم.. بعد سنوات قليلة.. لن يبقى أحد من الفلسطينيين! وهذا ما يريده بن غوريون.. بن غوريون.. ألا تذكره؟
- نعم، نعم.. أذكره.
- بعد يومين.. رأيتُ في المنام وليّاً من أولياء الله الصالحين، يرتدي لباساً أبيض اللون، قال لي: ادعو الله دعاءً واحداً وسيُستجاب لكَ! أتعرف بما دعوت؟
- بما دعوت؟
- قلت: اللهمّ احفظ لنا أطفالنا من البرد والثلج.. منذ ذلك الوقت لم يمت ولا طفل من البرد!
- بل قل.. منذ ذلك الوقت لم يعد يهطل الثلج، ولا حتى المطر!
منذ ذلك الوقت ارتفعت حرارة الأرض، وانتشر الجفاف في كل مكان، أنت السبب في كلّ هذه المصائب!!
طول عمره أبو سليم حمار... صحيح أنّه محظوظ، لكنّه حمار، فمن جرّاء دعائه ذلك، قلّ الماء والغذاء، وتكدّسنا فوق بعضنا مثل مكبوس الخيار.. أنا لو رأيت ذلك الوليّ، لدعوت الله أن يعيدنا إلى فلسطين.. هذا هو الدعاء المهم، هذا هو الدعاء التاريخي. سيكتبون في كتب التاريخ: مرعي بن علي أبو حميده، الملقب بأبي العبد، هو الذي أعاد اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين، كلّ الحكومات العربية، والأمم المتحدة، عجزت عن ذلك، وتمكّن مرعي من تحقيق ذلك وحده..
سرقته نشوة الانتصار من عطشه، وأخذه الخيال من واقعه، فغفا قليلاً.. رأى الفلسطينيين صغارهم وكبارهم.. ذكورهم وإناثهم.. يرجعون إلى فلسطين؛ كلّ إلى قريته ومدينته.. كانوا يلوِّحون بالكوفية ويصرخون الله أكبر، الله أكبر..
تساءل أبو العبد.. ويا ليته لم يتساءل، ماذا سيفعل بنا اليهود؟؟ .. اليهود لديهم أسلحة فسفورية.. حتماً سيبيدوننا!
- يا أولاد الـ(...) كيف جئتم إلى هنا قبل أن نأذن لكم؟ عودوا من حيث أتيتم.. وإلا سنقتلكم جميعاً!
- لكن هذه أرضنا.. وعدنا إليها..
- لا، هذه ليست أرضكم!!
اجتمعت الجامعة العربية.. وطلبت من المجتمع الدولي التدخل لإنقاذ الملايين من الفلسطينيين المهددين بالموت.. لا طعام ولا ماء ولا مأوى.. اجتمع مجلس الأمن فوراً، وأصدر قراراً غير ملزمٍ بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. الدول العربية رفضت هذا القرار.. هي لن تستضيف أي لاجئ فلسطيني. يكفي أنّها تحملتهم وتحملت مشاكلهم ستين عاماً.. البرازيل لن تستضيف أكثر من ألف وخمسمائة لاجئ كحد أقصى، كردستان العراق لن يستضيف أكثر من سبعمائة وخمسين.. إلى أين سيذهب الباقون؟
.. كالعادة.. الحل بيد أمريكا.. طلبتْ أمريكا من دول الخليج أن يستأجروا للفلسطينيين أرضاً في الأسكيمو لمدة تسعة وتسعين عاماً.. وأن يعطوا لكل عائلة فلسطينية خيمة مقاومة للبرد.. وطلبتْ أمريكا أيضاً من دول الخليج دعم الأونروا بالمال من أجل أن تقوم بإعادة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الأسكيمو.
رأى أبو العبد الفلسطينيين وهم في الأسكيمو.. ينعمون برمضان لا حرّ فيه ولا عطش.. الثلج يغطي الخيام، فتبدو لناظرها من بعيد كقطيع من البط الأبيض يسبح فوق غيمة بيضاء. رأى أبو العبد جنازة تمرّ من أمامه.. سأل أحد المشيعين:
- من يكون الميت؟
- طفل في السادسة من عمره.. مات من البرد!
رأى جنازة ثانية.. ثم ثالثة، ورابعة..
استيقظ أبو العبد من هذا الكابوس، فقرّر أن يعيد النظر في دعائه... فكّر في دعاءٍ آخر أكثر جدوى.. أخيراً وجده.. سيدعو الله أن يخرج جميع اليهود حفاة عراة من فلسطين كما أخرجونا منها.. هذا هو الدعاء الصحيح، هذا هو الدعاء التاريخي.. حينها سنعود إلى فلسطين، وسنجد بيوتاً جاهزة للسكن وحقولاً ومصانع للعمل، كلّ شيءٍ نحتاجه موجود، حتى السلاح موجود. لن يستطيع الاستعمار أن يعيد اليهود إلى هذه الديار.. وسيكتبون في كتب التاريخ: مرعي بن علي أبو حميده، الملقب بأبي العبد، هو الذي أخرج اليهود من فلسطين. كلّ الحكومات والجيوش العربية، والأمم المتحدة، عجزت عن ذلك، وتمكّن مرعي من تحقيق ذلك وحده!
سرقته نشوة الانتصار من عطشه، وأخذه الخيال من واقعه فغفا قليلاً... رأى الفلسطينيين وهم يستعدون للعودة إلى فلسطين.. الفلسطينيون سيكونون أقوياء في فلسطين، لن يستطيع أحد أن يخرجهم منها، سيكون لديهم أسلحة فوسفورية، ومفاعل نووي، وقنابل نووية.. وسيخاف منهم الجميع، وسيُحسب لهم ألفّ حساب.. تساءل أبو العبد.. ويا ليته لم يتساءل.. إلى أين سيذهب اليهود؟ .. لن يجدوا من يؤويهم! الحكومات التي تدعمهم.. تدعمهم ما داموا في فلسطين.. لكن إذا خرجوا منها.. فسيختلف الأمر.. السفن التي تحمل اليهود واقفة في عرض البحر.. غير مسموح لها بالاقتراب من شاطئ أية دولة!
أصدر مجلس الأمن قراراً ملزماً بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.. الدول العربية أعلنت التزامها الفوري بالقرار.. رفض اليهود القرار.. قالوا: ستون عاماً ونحن نعاني.. هذا يكفي.. ما عدنا نحتمل.. الفلسطينيون لم يدعوا أية طريقة لإزعاجنا إلا واتبعوها.. كلما قتلنا منهم عدداً، تضاعفت أعدادهم . مصر دعت إلى قمّة عربية طارئة في شرم الشيخ.. القمّة أصدرت قراراً بعدم السماح لأيّ فلسطيني بالذهاب إلى فلسطين؛ بحجة وجود إشعاعات صادرة عن مفاعل ديمونة. أمريكا تبذل جهوداً كبيرة لإقناع اليهود بالعودة إلى فلسطين.. هدّدتهم بأنّها ستبحث عن غرباء آخرين ليسكنوا فيها... لكنّ اليهود رفضوا هذا التهديد... قالوا لأمريكا:
- لن تجدوا من يستطيع أن يقوم بالمهام التي كنّا نقوم بها من أجلكم.
- لم نبخل عليكم بشيء.. أعطيناكم كلّ ما طلبتموه!
- لكنّنا لم نحصل على الأمن والأمان!
أخيراً وافق اليهود على العودة إلى فلسطين.. لكنْ بضمانات وتعهدات خطّية من أمريكا.. تعهدت أمريكا لليهود بألا تسمح لأيّ فلسطيني في المستقبل أن يقوم بأيّ عملٍ يزعجهم. من أجل ضمان ذلك، طلبتْ أمريكا من دول الخليج أن يستأجروا للفلسطينيين أرضاً في الأسكيمو لمدة تسعة وتسعين عاماً.. وأن يعطوا لكل طفل فلسطيني لباساً من الفرو المقاوم للبرد... وطلبتْ أيضاً من دول الخليج دعم الأونروا بالمال من أجل أن تقوم بإعادة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الأسكيمو.
رأى أبو العبد الفلسطينيين وهم في الأسكيمو ينعمون برمضان لا حرّ فيه ولا عطش.. الأطفال يرتدون الفرو الملون بالأبيض والأسود فيبدون لناظرهم من بعيد كقطيع من طيور البطريق.. رأى أبو العبد جنازة تمر من أمامه، سأل أحد المشيعين:
- من يكون الميت؟
- حفيدك مرعي.. مات من البرد.
استيقظ أبو العبد من هذا الكابوس، ليجد حفيده واقفاً أمامه وبيده كأس من الماء البارد..
- جدي.. جدي.. اشرب.. ألم تسمع الآذان؟
عندما شرب أبو العبد.. ذهب الظمأ وابتلت العروق.. فاحتضن حفيده وأشبعه تقبيلاً.. حينها عرفَ أنّ أبا سليم لم يكن حماراً.. كما كان يظن!
بعد عصر اليوم الأول من أيام شهر رمضان.. عاد أبو العبد.. الذي يعمل حدّاد بيتون.. إلى بيته على آخر نفس.. عاد بعد سبع ساعات عمل متواصل تحت الشمس.. وساعة أخرى أيضاً تحت الشمس.. يجاهد فيها جهاد الأبطال.. كي يجد مكاناً له في أيّة وسيلة نقل تنقله إلى المخيم..
صَبَّ أبو العبد الماء البارد على رأسه دون فائدة.. حاول أن ينام.. لكنّه لم يستطع.. الحرّ شديد، والعطش أشد.. لذا حَمل كرسيّه الصغير، وجلس أمام بيته الكائن في ذلك الزقاق الضيق من ذلك المخيم..
أسند ظهره المتعب إلى جدارٍ من الصفيح المدعّم قليلاً بالإسمنت.. وبدأ يراقبُ الذاهبين والقادمين.. علّه يلهو بالنظر إليهم .. عن عطشه الشديد.. لكن تداعيات خياله أخذته إلى عالمٍ آخر... !!
ليت أنّني الآن في الأسكيمو.. حيث لا حرّ ولا عطش.. الثلوج تحيط بي من كلّ جانب.. أتمرغ عليها.. أطفئ هذا اللهيب الذي يشتعل في بدني.. لو كنتُ من الأغنياء لمكثت طوال شهر رمضان في الأسكيمو.. الأغنياء ليسوا بحاجة للأسكيمو.. عندهم مكيفات تجعل بيوتهم أبرد من الأسكيمو.. أصلاً الأغنياء كما قال ذلك الممثل، الذي نسيت اسمه.. يقضون معظم وقتهم في (البانيو..)!
في هذه الأثناء مرّ جاره وصديق عمره أبو سليم، مرّ دون أن يقف، كان يستند بيده اليمنى على عكازه، ويحمل بيده اليسرى باقة بقدونس وباقة نعناع وعرقي خس.. من نشاف ريقه لم يستطع أن يتلفظ بكلمة السلام عليكم، فسلَّم على أبي العبد بحركة خاصة من رأسه.
- إلى أين ذاهب؟ تعال استرح قليلاً... يا ولد يا مرعي هاتِ كرسياً لعمك أبي سليم.
- لا، لا، لا أستطيع الجلوس.. أمّ سليم تنتظر.. ألا ترى ماذا أحمل لها من أجل الفتوش؟
- سيقوم الولد بإيصالهم لها، تعال اجلس.. أنا مشتاق لك!
- قل كلاماً آخر، قل تريدني أن أجلس معك لأسليك! أنا ذاهب إلى النوم.. ما في أحلى من النوم في رمضان!
- لكن الصائم النائم أجره أقل من..
- أقل.. أكثر.. سأنام.
كيف يستطيع أبو سليم أن ينام؟ هذا الرجل محظوظ، محظوظ بكل شيء، أنا لا أحسده، هو يقول ذلك..
- أتذكر يا أبا العبد أيام الثلجات السبعة الكبار.. وقتها مات أكثر من ثلاثين طفلاً في هذا المخيم.. ألا تذكر؟
- طبعاً أذكر، وهل هذا شيءٌ يُنسى؟
- كنتُ وقتها في عزّ شبابي، قلت.. إذا مات في كل سنة ثلاثون طفلاً في كل مخيم.. بعد سنوات قليلة.. لن يبقى أحد من الفلسطينيين! وهذا ما يريده بن غوريون.. بن غوريون.. ألا تذكره؟
- نعم، نعم.. أذكره.
- بعد يومين.. رأيتُ في المنام وليّاً من أولياء الله الصالحين، يرتدي لباساً أبيض اللون، قال لي: ادعو الله دعاءً واحداً وسيُستجاب لكَ! أتعرف بما دعوت؟
- بما دعوت؟
- قلت: اللهمّ احفظ لنا أطفالنا من البرد والثلج.. منذ ذلك الوقت لم يمت ولا طفل من البرد!
- بل قل.. منذ ذلك الوقت لم يعد يهطل الثلج، ولا حتى المطر!
منذ ذلك الوقت ارتفعت حرارة الأرض، وانتشر الجفاف في كل مكان، أنت السبب في كلّ هذه المصائب!!
طول عمره أبو سليم حمار... صحيح أنّه محظوظ، لكنّه حمار، فمن جرّاء دعائه ذلك، قلّ الماء والغذاء، وتكدّسنا فوق بعضنا مثل مكبوس الخيار.. أنا لو رأيت ذلك الوليّ، لدعوت الله أن يعيدنا إلى فلسطين.. هذا هو الدعاء المهم، هذا هو الدعاء التاريخي. سيكتبون في كتب التاريخ: مرعي بن علي أبو حميده، الملقب بأبي العبد، هو الذي أعاد اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين، كلّ الحكومات العربية، والأمم المتحدة، عجزت عن ذلك، وتمكّن مرعي من تحقيق ذلك وحده..
سرقته نشوة الانتصار من عطشه، وأخذه الخيال من واقعه، فغفا قليلاً.. رأى الفلسطينيين صغارهم وكبارهم.. ذكورهم وإناثهم.. يرجعون إلى فلسطين؛ كلّ إلى قريته ومدينته.. كانوا يلوِّحون بالكوفية ويصرخون الله أكبر، الله أكبر..
تساءل أبو العبد.. ويا ليته لم يتساءل، ماذا سيفعل بنا اليهود؟؟ .. اليهود لديهم أسلحة فسفورية.. حتماً سيبيدوننا!
- يا أولاد الـ(...) كيف جئتم إلى هنا قبل أن نأذن لكم؟ عودوا من حيث أتيتم.. وإلا سنقتلكم جميعاً!
- لكن هذه أرضنا.. وعدنا إليها..
- لا، هذه ليست أرضكم!!
اجتمعت الجامعة العربية.. وطلبت من المجتمع الدولي التدخل لإنقاذ الملايين من الفلسطينيين المهددين بالموت.. لا طعام ولا ماء ولا مأوى.. اجتمع مجلس الأمن فوراً، وأصدر قراراً غير ملزمٍ بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. الدول العربية رفضت هذا القرار.. هي لن تستضيف أي لاجئ فلسطيني. يكفي أنّها تحملتهم وتحملت مشاكلهم ستين عاماً.. البرازيل لن تستضيف أكثر من ألف وخمسمائة لاجئ كحد أقصى، كردستان العراق لن يستضيف أكثر من سبعمائة وخمسين.. إلى أين سيذهب الباقون؟
.. كالعادة.. الحل بيد أمريكا.. طلبتْ أمريكا من دول الخليج أن يستأجروا للفلسطينيين أرضاً في الأسكيمو لمدة تسعة وتسعين عاماً.. وأن يعطوا لكل عائلة فلسطينية خيمة مقاومة للبرد.. وطلبتْ أمريكا أيضاً من دول الخليج دعم الأونروا بالمال من أجل أن تقوم بإعادة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الأسكيمو.
رأى أبو العبد الفلسطينيين وهم في الأسكيمو.. ينعمون برمضان لا حرّ فيه ولا عطش.. الثلج يغطي الخيام، فتبدو لناظرها من بعيد كقطيع من البط الأبيض يسبح فوق غيمة بيضاء. رأى أبو العبد جنازة تمرّ من أمامه.. سأل أحد المشيعين:
- من يكون الميت؟
- طفل في السادسة من عمره.. مات من البرد!
رأى جنازة ثانية.. ثم ثالثة، ورابعة..
استيقظ أبو العبد من هذا الكابوس، فقرّر أن يعيد النظر في دعائه... فكّر في دعاءٍ آخر أكثر جدوى.. أخيراً وجده.. سيدعو الله أن يخرج جميع اليهود حفاة عراة من فلسطين كما أخرجونا منها.. هذا هو الدعاء الصحيح، هذا هو الدعاء التاريخي.. حينها سنعود إلى فلسطين، وسنجد بيوتاً جاهزة للسكن وحقولاً ومصانع للعمل، كلّ شيءٍ نحتاجه موجود، حتى السلاح موجود. لن يستطيع الاستعمار أن يعيد اليهود إلى هذه الديار.. وسيكتبون في كتب التاريخ: مرعي بن علي أبو حميده، الملقب بأبي العبد، هو الذي أخرج اليهود من فلسطين. كلّ الحكومات والجيوش العربية، والأمم المتحدة، عجزت عن ذلك، وتمكّن مرعي من تحقيق ذلك وحده!
سرقته نشوة الانتصار من عطشه، وأخذه الخيال من واقعه فغفا قليلاً... رأى الفلسطينيين وهم يستعدون للعودة إلى فلسطين.. الفلسطينيون سيكونون أقوياء في فلسطين، لن يستطيع أحد أن يخرجهم منها، سيكون لديهم أسلحة فوسفورية، ومفاعل نووي، وقنابل نووية.. وسيخاف منهم الجميع، وسيُحسب لهم ألفّ حساب.. تساءل أبو العبد.. ويا ليته لم يتساءل.. إلى أين سيذهب اليهود؟ .. لن يجدوا من يؤويهم! الحكومات التي تدعمهم.. تدعمهم ما داموا في فلسطين.. لكن إذا خرجوا منها.. فسيختلف الأمر.. السفن التي تحمل اليهود واقفة في عرض البحر.. غير مسموح لها بالاقتراب من شاطئ أية دولة!
أصدر مجلس الأمن قراراً ملزماً بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.. الدول العربية أعلنت التزامها الفوري بالقرار.. رفض اليهود القرار.. قالوا: ستون عاماً ونحن نعاني.. هذا يكفي.. ما عدنا نحتمل.. الفلسطينيون لم يدعوا أية طريقة لإزعاجنا إلا واتبعوها.. كلما قتلنا منهم عدداً، تضاعفت أعدادهم . مصر دعت إلى قمّة عربية طارئة في شرم الشيخ.. القمّة أصدرت قراراً بعدم السماح لأيّ فلسطيني بالذهاب إلى فلسطين؛ بحجة وجود إشعاعات صادرة عن مفاعل ديمونة. أمريكا تبذل جهوداً كبيرة لإقناع اليهود بالعودة إلى فلسطين.. هدّدتهم بأنّها ستبحث عن غرباء آخرين ليسكنوا فيها... لكنّ اليهود رفضوا هذا التهديد... قالوا لأمريكا:
- لن تجدوا من يستطيع أن يقوم بالمهام التي كنّا نقوم بها من أجلكم.
- لم نبخل عليكم بشيء.. أعطيناكم كلّ ما طلبتموه!
- لكنّنا لم نحصل على الأمن والأمان!
أخيراً وافق اليهود على العودة إلى فلسطين.. لكنْ بضمانات وتعهدات خطّية من أمريكا.. تعهدت أمريكا لليهود بألا تسمح لأيّ فلسطيني في المستقبل أن يقوم بأيّ عملٍ يزعجهم. من أجل ضمان ذلك، طلبتْ أمريكا من دول الخليج أن يستأجروا للفلسطينيين أرضاً في الأسكيمو لمدة تسعة وتسعين عاماً.. وأن يعطوا لكل طفل فلسطيني لباساً من الفرو المقاوم للبرد... وطلبتْ أيضاً من دول الخليج دعم الأونروا بالمال من أجل أن تقوم بإعادة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الأسكيمو.
رأى أبو العبد الفلسطينيين وهم في الأسكيمو ينعمون برمضان لا حرّ فيه ولا عطش.. الأطفال يرتدون الفرو الملون بالأبيض والأسود فيبدون لناظرهم من بعيد كقطيع من طيور البطريق.. رأى أبو العبد جنازة تمر من أمامه، سأل أحد المشيعين:
- من يكون الميت؟
- حفيدك مرعي.. مات من البرد.
استيقظ أبو العبد من هذا الكابوس، ليجد حفيده واقفاً أمامه وبيده كأس من الماء البارد..
- جدي.. جدي.. اشرب.. ألم تسمع الآذان؟
عندما شرب أبو العبد.. ذهب الظمأ وابتلت العروق.. فاحتضن حفيده وأشبعه تقبيلاً.. حينها عرفَ أنّ أبا سليم لم يكن حماراً.. كما كان يظن!