أحمد بارود
09-01-2009, 10:25 PM
من الأمور المألوفة أن نرى أكثر الناس في بلادنا الفقيرة يرتفعون بمفهوم الثقافة إلى مستوى أرقى من مفهوم السلوك اليومي أو العلاقة الإنسانية التي تستغرقها الهموم المباشرة ، وينظرون إلى المشتغلين في الحقل الثقافي على أنهم ربما أرفع قدرا وأسمى مكانة بل ويحيطونهم بشيء من التوقير والهيبة وفي تقديري لا يقوم هذا الاعتبار عند هؤلاء البسطاء على فهم حقيقي لمعنى الثقافة بقدر ما يلامس مظهرها الخارجي فقط إن كان في ثيابها النظيفة التي لم يبللها عرق الكدح والمشقة ، أو في بشرتها الناعمة التي لم يلوثها ، خارج الوظيفة أو المكتب ، غبار الأرض وشوائبها أو في لغتها التي تنأى ، لنعومتها ، عن تداول مفردات الناس المزعجة في الأسواق والحارات ومواقف السيارات .. فهذا المظهر الخارجي للثقافة في بلادنا الأنيق الرقيق والمرفه لا يعكس بالضرورة رقتها ونعومتها وتميزها بقدر ما يعكس فقط تطلعات وطموحات البسطاء الفقراء الذين يأملون ويتمنون لو أن أقدارهم تنقذهم من العذاب والكدح أو البطالة وترتقي بهم إلى مصاف هؤلاء المرفهين مدراء وساسة وضباط.. فالاعتبار السائد لقيمة الثقافة هنا لا ينفذ أبعد من سطحها الوظيفي ولا ينبع من فهمها ولا من إدراك دورها الحقيقي .. لكن المؤسف كذلك أن كثيرا من المثقفين "الموظفين " تحديدا قد آثروا البقاء على هذا السطح اللافت الذي قد يشبع فيهم إحساسا واهما بالتميز ويجعلهم في زمرة المحسودين بينما لن تجد ، لو تأملت أبعد من القشرة الوظيفية قليلا ، أية أعماق ثقافية تميزهم عن أي بسيط ساذج عاطل عن العمل .
لقد تم تزييف مفهم الثقافة وتضييقه إلى حد كبير بعد أن أصبحت مجرد جهاز أو مؤسسة من أجهزة ومؤسسات الدولة الحديثة ، كما مسخت ماهيتها الحرة بعد أن أخضعت لتصنيفات تحشرها خلف مسميات وظيفية لا تنتج ثقافة بقدر ما تحفز في الموظف الرغبة في تسلق مراتب الوظيفة للحصول على راتب أعلى كل أول شهر ، بل أكثر من ذلك أصبحت " الدرجة الوظيفية لا الثقافية " معيارا في بلادنا تقاس به القيمة الشخصية والأهمية الاجتماعية للموظف ، وربما لهذا السبب لم تجد الثقافة في هذه البلاد فرصتها حتى الآن أبعد من طباعة كتاب أو إنتاج قصيدة هنا ورواية هناك لا يعلم بها ولا يتداولها إلا ما تسمى "النخبة " وكأنما الثقافة في أنسب الأعذار وأكثرها إقناعا قد أقصيت عمدا عن أداء رسالتها الميدانية أو جبنت ولا نقول عجزت عن قراءة الحاضر الوطني أو اكتفت بقراءته سرا ، كأي رواية جنسية ، على غير عادة الثقافة الحرة .. وربما ذلك خوفا من محاذير سياسية أو دينية بينما المطلوب، أكثر من ذلك ،هو الجرأة على نقد الحاضر والدعوة إلى إصلاحه إذا تعذر تغييره .
من طبع الثقافة الحرة أن تكون دائما في المقدمة لا تخاف أو تنزوي في ركن آمن قصي تهمس ولا يسمعها أحد .. فلا يراد منها أن تحمل البندقية وتقف ،كالجندي المضلل ، في مواجهة الدبابة ولا يراد منها أيضا أن تشتغل في رصف الطرق أو تلوين الجدران .. وظيفة الثقافة أبعد من ذلك بكثير أن تخترق السطح وتستكشف الأعماق وتسبر الأغوار و تتجاوز الراهن لتنقذ وعي المواطن ومستقبله من سطوة اعتبارات سياسية عارضة ليست ثوابت ومن مؤثرات فكرية ليست عقائد ، ومن مخلفات ليست مقدسات ، ومن أوهام ليست أحلام ، ومن شهوات ليست عواطف ، ومن عذابات ليست تضحية، ومن أعراف ليست فضائل ، ومن أنانية ليست احتراما للذات، ومن قتل للنساء بدوافع لا نبل فيها ولا مروءة ، ومن تجارة بحقوق الأجيال في التعليم والمرضى بالعلاج .
هذي هي المهمة المقدسة لثقافة الحرية ولا ينبغي لمثقف حر أن ينتظر تعليمات سياسية أو حزبية أو طائفية، ترهن المستقبل برؤاها العابرة أو تعتقله في أفقها الضيق، لتقرر له ماذا يقول وكيف يقول ومتى يقول أو يعترف هذا المثقف ، صراحة ، بأن الثقافة ليست ، في وطنه ، أكثر من مجرد عنوان حضاري يصادر في صفحاته الداخلية حرية المثقف واستقلاله لكن بالمقابل لا ينبغي أن يتوهم أحد بأن الكفاح فقط على الجبهة الثقافية يمكنه أن يحسم نتيجة أي معركة لصالح الشعب أو الأمة وذلك لكي لا يجور أو يقسو بالحكم على الثقافة والمثقف أو يحملهما المسؤولية الكاملة عن الفشل أو الهزيمة .. فنحن نرى بأم أعيننا أن عناصر المواجهة الأخرى غير الثقافية قد انتهى دورها الكفاحي اليوم لأن اشتراطات المصالحة أو المهادنة بين المتحاربين قد أفقدت تلك العناصر أدوارها التقليدية وأنه لم يبق في الميدان غير الثقافة لتواصل ، بمفردها ، كفاحها ودورها الخالد في تأكيد وتعزيز وحماية الهوية الوطنية أو القومية .. وعليه لم تعد هناك حجة يتذرع بها المثقف للنكوص عن أداء دوره ورسالته الكفاحية .. فهو الآن حر ولا يجب أن يقبل بسطوة السيادة السياسية "المهادنة " على أسئلة الكفاح الثقافي.. متى وأين ولماذا .. بل ينبغي أن يتمرد وينطلق بجرأة الأحرار متجاوزا مواريث ثقافة المشروع السياسي الحزبي أو الطائفي نحو ثقافة المشروع المستقبلي للهوية الوطنية أو القومية ، ولن يملك مثقف الشجاعة على مواجهة مشكلات المستقبل وتحدياته القادمة إذا لم يتعلم الشجاعة قبل ذلك في مواجهة مواريث ثقافة الغياب الماضية وتداعياتها القائمة .
لكن يبرز في هذا السياق سؤال في غاية الأهمية وهو : هل الثقافة ، هل هذه الفعاليات النظرية مسؤولة عن مهمة الكفاح في ساحة المهن الخدمية ؟ عن غرور الأطباء ، مثلا ، أو فشلهم ؟ أليست هذه مسائل مهنية تتصل فقط بضمير الطبيب ومدى وفائه للقسم أو لليمين التي قطعها على نفسه بالإخلاص في رسالته ؟ وينسحب السؤال على كل المؤسسات والمهن الخدمية الأخرى .. ثم ما علاقة اليمين والرسالة والإخلاص والضمير وكل هذه المفردات بالثقافة ؟! إلا إذا أردت أيها الكاتب من وراء ذلك الإشارة إلى " ثقافة السوق" التي حولت كل القيم والمعاني إلى سلع أو هدايا حيث أصبح يمين الطبيب ، ليس كل طبيب بالطبع ، ثمينا بنسبة الثمن الذي يتقاضاه ، ويصبح إخلاصه صادقا بقدر " المكرمة أو الحلوان " الذي ستضيفه إلى سعر التكلفة المقررة ، ويحضر ضمير الطبيب أو يضمر بحجم الحضور أو الضمور الاجتماعي والمالي للمريض أو لذويه !! هل تظن أن هذه القضايا المهنية غير النظرية تحتاج إلى تدخل الثقافة ؟!
لا أدري .. وربما اختلط على الأمر فلم أعد أفرق ما بين الثقافة والسلوك أو ربما لأن مسمياتنا الوظيفية والمهنية تختلط أحيانا فتخدعنا فنظن بها غير الحق .. تماما كالظن الذي يساورني بأن الجندية كذلك هي مسألة ، يفترض منطقيا ، أنها ذات هيبة وطنية أو قومية تتصل ، أو يجب أن تتصل ، في كل مواطن بواجبه الواعي نحو حماية وطنه وصون وتأمين حدوده من أي عدوان خارجي بينما تكتشف ، ميدانيا ، أن الجندية في بلادنا قد أصبحت مسألة مختلفة فاقدة لهيبتها يستطيع أي مسؤول أن يستخدمها لتأمين وصون هيبته الشخصية أو لتحقيق مكاسب عائلية أو طائفية أو حزبية ، وأنها قد تحولت إلى مجرد وظيفة لا تتصل في المواطن بدوافع الواجب الوطني بقدر ما تعود عليه براتب يلبي احتياجاته فقط .. وقد ينقلب الجندي على دوره الوظيفي هذا وعلى واجبه الوطني إذا ما أخلت الوظيفة أو إذا ما تعارض الواجب مع اعتباراته الذاتية ، فرديا أو فصائليا أو عشائريا ، وإن هذه الجندية في النهاية قد أصبحت في بلادنا مجرد شكل بلون الزي العسكري مرقط أو رمادي لا يعكس ولا يعبر عن مضمون ثقافي يتجاوز مفهوم الولاء للذات إلى مفهوم الولاء للوطن .
إن الثقافة هنا وفي كل مكان ليست وعيا خارجيا هبط من الغيب فوجد له موقعا معدا سلفا في أذهان شريحة من البشر تميزهم خواص كالملائكة عن غيرهم من الذين يفسدون في الأرض .. بل هي ، في كل تجلياتها الحياتية السلوكية والفنية والأدبية والفكرية نتاجا لتجربة العلاقة الإنسانية بالمكان والزمان .. أما تجربة الوجود الفلسطيني على غير مكانه وفي انقطاعه عن سياقه التاريخي السوي منذ أكثر من نصف قرن فقد أنتجت أنماطا وأشكالا من الحياة والتعبير ، السلوك والثقافة ، تختلف عن غيرها من ثقافات الشعوب الأخرى المستقرة القائمة على قواعد الوجود الحر والمستقل وعلى عناصر التطور التاريخي السوي .. فالصوت الفلسطيني الذي يحيا ويعبر عن نفسه من الكويت مثلا غيره في العراق والذي يتحدث من كوبا غيره من الولايات المتحدة والذي يتحدث بدوافع أمنية غير الذي يتحدث بدوافع عقائدية والذي يصدر في رؤاه عن وعي بدوي غير الذي يصدر عن وعي مدني معاصر والذي يتحدث عن حريته من الأسر غير الذي يتحدث عنها من الفندق أو من مكتب تجاري والذي يتحدث عن وطنه من مخيم اللاجئين غير الذي يتحدث عنه بلسان الشرعية الدولية .
كل هذه الأصوات والأفهام بكل أشكال التعبير التي استخدمتها وتستخدمها لا تعكس أية تعددية أو ديموقراطية على قاعدة الثقافة الوطنية بقدر ما تعكس ضمور هذه الثقافة وغربتها وتشتت شملها..
عضو الامانة العامه لصالون القلم الفلسطيني ورئيس اللجنة الثقافية
لقد تم تزييف مفهم الثقافة وتضييقه إلى حد كبير بعد أن أصبحت مجرد جهاز أو مؤسسة من أجهزة ومؤسسات الدولة الحديثة ، كما مسخت ماهيتها الحرة بعد أن أخضعت لتصنيفات تحشرها خلف مسميات وظيفية لا تنتج ثقافة بقدر ما تحفز في الموظف الرغبة في تسلق مراتب الوظيفة للحصول على راتب أعلى كل أول شهر ، بل أكثر من ذلك أصبحت " الدرجة الوظيفية لا الثقافية " معيارا في بلادنا تقاس به القيمة الشخصية والأهمية الاجتماعية للموظف ، وربما لهذا السبب لم تجد الثقافة في هذه البلاد فرصتها حتى الآن أبعد من طباعة كتاب أو إنتاج قصيدة هنا ورواية هناك لا يعلم بها ولا يتداولها إلا ما تسمى "النخبة " وكأنما الثقافة في أنسب الأعذار وأكثرها إقناعا قد أقصيت عمدا عن أداء رسالتها الميدانية أو جبنت ولا نقول عجزت عن قراءة الحاضر الوطني أو اكتفت بقراءته سرا ، كأي رواية جنسية ، على غير عادة الثقافة الحرة .. وربما ذلك خوفا من محاذير سياسية أو دينية بينما المطلوب، أكثر من ذلك ،هو الجرأة على نقد الحاضر والدعوة إلى إصلاحه إذا تعذر تغييره .
من طبع الثقافة الحرة أن تكون دائما في المقدمة لا تخاف أو تنزوي في ركن آمن قصي تهمس ولا يسمعها أحد .. فلا يراد منها أن تحمل البندقية وتقف ،كالجندي المضلل ، في مواجهة الدبابة ولا يراد منها أيضا أن تشتغل في رصف الطرق أو تلوين الجدران .. وظيفة الثقافة أبعد من ذلك بكثير أن تخترق السطح وتستكشف الأعماق وتسبر الأغوار و تتجاوز الراهن لتنقذ وعي المواطن ومستقبله من سطوة اعتبارات سياسية عارضة ليست ثوابت ومن مؤثرات فكرية ليست عقائد ، ومن مخلفات ليست مقدسات ، ومن أوهام ليست أحلام ، ومن شهوات ليست عواطف ، ومن عذابات ليست تضحية، ومن أعراف ليست فضائل ، ومن أنانية ليست احتراما للذات، ومن قتل للنساء بدوافع لا نبل فيها ولا مروءة ، ومن تجارة بحقوق الأجيال في التعليم والمرضى بالعلاج .
هذي هي المهمة المقدسة لثقافة الحرية ولا ينبغي لمثقف حر أن ينتظر تعليمات سياسية أو حزبية أو طائفية، ترهن المستقبل برؤاها العابرة أو تعتقله في أفقها الضيق، لتقرر له ماذا يقول وكيف يقول ومتى يقول أو يعترف هذا المثقف ، صراحة ، بأن الثقافة ليست ، في وطنه ، أكثر من مجرد عنوان حضاري يصادر في صفحاته الداخلية حرية المثقف واستقلاله لكن بالمقابل لا ينبغي أن يتوهم أحد بأن الكفاح فقط على الجبهة الثقافية يمكنه أن يحسم نتيجة أي معركة لصالح الشعب أو الأمة وذلك لكي لا يجور أو يقسو بالحكم على الثقافة والمثقف أو يحملهما المسؤولية الكاملة عن الفشل أو الهزيمة .. فنحن نرى بأم أعيننا أن عناصر المواجهة الأخرى غير الثقافية قد انتهى دورها الكفاحي اليوم لأن اشتراطات المصالحة أو المهادنة بين المتحاربين قد أفقدت تلك العناصر أدوارها التقليدية وأنه لم يبق في الميدان غير الثقافة لتواصل ، بمفردها ، كفاحها ودورها الخالد في تأكيد وتعزيز وحماية الهوية الوطنية أو القومية .. وعليه لم تعد هناك حجة يتذرع بها المثقف للنكوص عن أداء دوره ورسالته الكفاحية .. فهو الآن حر ولا يجب أن يقبل بسطوة السيادة السياسية "المهادنة " على أسئلة الكفاح الثقافي.. متى وأين ولماذا .. بل ينبغي أن يتمرد وينطلق بجرأة الأحرار متجاوزا مواريث ثقافة المشروع السياسي الحزبي أو الطائفي نحو ثقافة المشروع المستقبلي للهوية الوطنية أو القومية ، ولن يملك مثقف الشجاعة على مواجهة مشكلات المستقبل وتحدياته القادمة إذا لم يتعلم الشجاعة قبل ذلك في مواجهة مواريث ثقافة الغياب الماضية وتداعياتها القائمة .
لكن يبرز في هذا السياق سؤال في غاية الأهمية وهو : هل الثقافة ، هل هذه الفعاليات النظرية مسؤولة عن مهمة الكفاح في ساحة المهن الخدمية ؟ عن غرور الأطباء ، مثلا ، أو فشلهم ؟ أليست هذه مسائل مهنية تتصل فقط بضمير الطبيب ومدى وفائه للقسم أو لليمين التي قطعها على نفسه بالإخلاص في رسالته ؟ وينسحب السؤال على كل المؤسسات والمهن الخدمية الأخرى .. ثم ما علاقة اليمين والرسالة والإخلاص والضمير وكل هذه المفردات بالثقافة ؟! إلا إذا أردت أيها الكاتب من وراء ذلك الإشارة إلى " ثقافة السوق" التي حولت كل القيم والمعاني إلى سلع أو هدايا حيث أصبح يمين الطبيب ، ليس كل طبيب بالطبع ، ثمينا بنسبة الثمن الذي يتقاضاه ، ويصبح إخلاصه صادقا بقدر " المكرمة أو الحلوان " الذي ستضيفه إلى سعر التكلفة المقررة ، ويحضر ضمير الطبيب أو يضمر بحجم الحضور أو الضمور الاجتماعي والمالي للمريض أو لذويه !! هل تظن أن هذه القضايا المهنية غير النظرية تحتاج إلى تدخل الثقافة ؟!
لا أدري .. وربما اختلط على الأمر فلم أعد أفرق ما بين الثقافة والسلوك أو ربما لأن مسمياتنا الوظيفية والمهنية تختلط أحيانا فتخدعنا فنظن بها غير الحق .. تماما كالظن الذي يساورني بأن الجندية كذلك هي مسألة ، يفترض منطقيا ، أنها ذات هيبة وطنية أو قومية تتصل ، أو يجب أن تتصل ، في كل مواطن بواجبه الواعي نحو حماية وطنه وصون وتأمين حدوده من أي عدوان خارجي بينما تكتشف ، ميدانيا ، أن الجندية في بلادنا قد أصبحت مسألة مختلفة فاقدة لهيبتها يستطيع أي مسؤول أن يستخدمها لتأمين وصون هيبته الشخصية أو لتحقيق مكاسب عائلية أو طائفية أو حزبية ، وأنها قد تحولت إلى مجرد وظيفة لا تتصل في المواطن بدوافع الواجب الوطني بقدر ما تعود عليه براتب يلبي احتياجاته فقط .. وقد ينقلب الجندي على دوره الوظيفي هذا وعلى واجبه الوطني إذا ما أخلت الوظيفة أو إذا ما تعارض الواجب مع اعتباراته الذاتية ، فرديا أو فصائليا أو عشائريا ، وإن هذه الجندية في النهاية قد أصبحت في بلادنا مجرد شكل بلون الزي العسكري مرقط أو رمادي لا يعكس ولا يعبر عن مضمون ثقافي يتجاوز مفهوم الولاء للذات إلى مفهوم الولاء للوطن .
إن الثقافة هنا وفي كل مكان ليست وعيا خارجيا هبط من الغيب فوجد له موقعا معدا سلفا في أذهان شريحة من البشر تميزهم خواص كالملائكة عن غيرهم من الذين يفسدون في الأرض .. بل هي ، في كل تجلياتها الحياتية السلوكية والفنية والأدبية والفكرية نتاجا لتجربة العلاقة الإنسانية بالمكان والزمان .. أما تجربة الوجود الفلسطيني على غير مكانه وفي انقطاعه عن سياقه التاريخي السوي منذ أكثر من نصف قرن فقد أنتجت أنماطا وأشكالا من الحياة والتعبير ، السلوك والثقافة ، تختلف عن غيرها من ثقافات الشعوب الأخرى المستقرة القائمة على قواعد الوجود الحر والمستقل وعلى عناصر التطور التاريخي السوي .. فالصوت الفلسطيني الذي يحيا ويعبر عن نفسه من الكويت مثلا غيره في العراق والذي يتحدث من كوبا غيره من الولايات المتحدة والذي يتحدث بدوافع أمنية غير الذي يتحدث بدوافع عقائدية والذي يصدر في رؤاه عن وعي بدوي غير الذي يصدر عن وعي مدني معاصر والذي يتحدث عن حريته من الأسر غير الذي يتحدث عنها من الفندق أو من مكتب تجاري والذي يتحدث عن وطنه من مخيم اللاجئين غير الذي يتحدث عنه بلسان الشرعية الدولية .
كل هذه الأصوات والأفهام بكل أشكال التعبير التي استخدمتها وتستخدمها لا تعكس أية تعددية أو ديموقراطية على قاعدة الثقافة الوطنية بقدر ما تعكس ضمور هذه الثقافة وغربتها وتشتت شملها..
عضو الامانة العامه لصالون القلم الفلسطيني ورئيس اللجنة الثقافية