تحسين أبو عاصي
08-26-2009, 03:04 AM
الأمن في غزة بين النظرية والتطبيق
أ . تحسين يحيى أبو عاصي – كاتب فلسطيني مستقل –
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
في جميع دول العالم وكافة حركات التحرر عبر التاريخ ، يعتبر النظر إلى امن المواطن وحياته الركيزة الأساسية والحيوية التي تنطلق من خلالها ولأجلها الثورات والحركات والهبات الجماهيرية وتغيير الحكومات ، لذلك من الخطأ الفادح أن يتم تجزئة مفهوم الأمن الحياتي وفق أهواء ومصالح وأجندة خاصة ، فتسقط شعارات ونظريات رُفعت من قبل ، كما أنه من المصيبة الكبرى أن يخضع ذلك الاعتبار إلى تقصير أو خلل إداري أو قانوني من هنا وهناك ، فمن غير المقبول مثلا أن تجري أي عملية تغيير مجتمعي ، وأن يتم تشريع القوانين نظرياً من أجل أمن وحياة الناس ، وفي المقابل يحدث التراخي وعدم المبالاة في أمنه وحياته في أمور ميدانية وتطبيقية كثيرة كان من السهل التعاطي معها ومعالجتها .
في كل عام يسقط العشرات وربما المئات في فلسطين بين قتيل وجريح من جراء حوادث يمكننا تخفيف حدتها ، والحد من وتيرتها ، لو توفرت إرادة ومسئولية التطبيق عند أصحاب القرار، سواء كانت تلك الحوادث بسبب الغرق في بحر غزة ، أو في برك الصرف الصحي شمال غزة ، أو مجمع مياه الأمطار والصرف الصحي (في فصل الشتاء ) في حديقة أو متنزه المحطة الواقع على امتداد شارع يافا وسط غزة ، أو تلك الناتجة عن صعقات كهربائية ، أو حوادث العمل والمرور بكافة أشكالها ، أو الإهمال الطبي وانتشار الأمراض الخطيرة أو غير ذلك .
في كل عام يأكل البحر عددا من شبابنا وأطفالنا فلذة أكبادنا ، كان آخرها قبل أيام فقط ، ولقد سُررنا عندما سمعنا أن بلدية غزة وحكومة غزة شرعتا في التحقيق لمحاسبة المسئولين من المُنقذين على شاطئ بحر غزة ، وكانت البداية لم تعهدها غزة من قبل في فتح تحقيق جدي ومسئول يتعلق في حوادث الغرق على شاطئ بحر غزة ، على الرغم من أن المنقذين البحريين يفتقرون ليس في هذه الأوقات فحسب ، بل في السنوات السابقة أيضا إلى العوامل المساعدة في الإنقاذ والإسعافات الأولية ، فهم لا يملكون تليفونا من أجل الاتصال ، ولا يملكون قاربا من أجل الإنقاذ ، ولا يوجد بالقرب منهم محطة لإسعاف وإنقاذ الغرقى ، ولا يملكون سيارة إسعاف ، كما لا توجد داخل مياه البحر إشارة لتحديد عدم التجاوز أثناء السباحة ، ولا يتقاضون حوافزا ولا بدل خطر في مرتبهم الشهري الذي يحصلون عليه كل عدة شهور مرة واحدة ، لذلك هم يعتمدون فقط على مهاراتهم الذاتية ، وخبراتهم الشخصية التي اكتسبوها من قبل في عمليات إنقاذ الغرقى .
وفي كل يوم تقريباً نسمع في قطاع غزة عن قتلى وجرحى بسبب حوادث الدراجات النارية ، من بينهم سقط الشاب سالم شعبان قتيلاً ، وسقط أيضاً قبل أيام فقط قتيلان آخران في مدينة رفح ، كما سقط قبل أسابيع قليلة قتيلان قرب منطقة الأزهر في غزة ، ووفقا لتصريحات الدكتور معاوية حسنين مدير الطوارئ والإسعاف في غزة فقد وقع العشرات من الفلسطينيين بين قتيل وجريح بسبب تلك الدراجات في الأيام الأخيرة فقط .
ومن جراء حوادث السير، فقد سقطت قبل أسابيع قليلة طفلتان من عائلتي ( الشيخ والمظلوم ) وهما في طريقهما إلى المدرسة ، مما حدا بحكومة غزة إلى القيام بحملة نظام وتنظيم كبيرة وقوية في شوارع وطرقات قطاع غزة ؛ للتخفيف من حدة حوادث الطرق ، كما سقط من قبل عدد من المشاة والمارة من مختلف الأعمار .
وفي غزة ترتفع وتيرة الموت بسبب الإصابة بمرض السرطان ، كما تزداد وتيرة الموت المفاجئ ارتفاعاً وانتشارا ملحوظاً ، وتكثر الأخطاء الناتجة عن الإهمال الطبي ، كان آخرها قبل أيام قليلة فقط ، عندما أخطا الطبيب في عملية جراحة استئصال اللوزتين لطفل عمره ثلاث سنوات في عيادته الخاصة ، ولعل قصة الشاب حسونة ليست عنا ببعيد ، حيث تُوفي أثناء إجراء العملية الجراحية ، بالإضافة إلى أخطاء في تشخيص الأطباء ، والتي دفع والدي ( رحمه الله ) حياته ثمنا لها ، وما خفي عنا كان أعظم .
وفي دراسة مسحية تبين أن بعض الشباب يتناولون عقار ( الترامان ) ومن بين هؤلاء الشباب صغار في السن ، رغبة في الشعور بسعادة مؤقتة ، والتخلص من مرارة الواقع ، على الرغم من الأخطار والأضرار المترتبة على تناول هذا العقار .
لقد تنفس الناس الصعداء عندما عاشوا فترة استراحوا فيها من عناء الصواريخ الارتدادية ، التي كان يطلقها المقاتلون على دولة الكيان ، تلك الصواريخ التي أوقعت عددا من القتلى والجرحى بين المواطنين الفلسطينيين ، بالإضافة إلى الأضرار في المساكن والمنشآت .
وفي الحرب الأخيرة على غزة يسقط أكثر من سبعة آلاف فلسطيني بين شهيد وجريح وتُُدمر آلاف المنازل .....
نعم لا بد من المقاومة،فلا يمكن نزع الحقوق المغتصبة من خلال فنادق الخمسة نجوم ، ولكن المقاومة تحتاج إلى البندقية الواعية المسيّسة ، وإلى من يهتم بحياة وأمن المواطن في جميع ميادين الحياة .
فهل يسقط الفلسطيني قتيلا أو مصابا ، أو شهيدا أو جريحا بدون تخطيط وبرمجة ، وبدون رؤية عميقة وتحليل دقيق ، بحيث ينعكس من خلال ذلك كله حرص ووعي ومسئولية قادته !! ؟ .
إن ظاهرة تصاعد الموت في غزة تحتاج إلى وقفة ، ليس فقط من القادة أصحاب القرار، بل من جميع شرفاء الوطن .
ربما من السهل عند البعض تبسيط تلك الحوادث والاستهانة بها ، وربما من السهل إيجاد التبريرات وخلق الأعذار ، لكنه من الصعب الاستخفاف بحياة المواطنين التي لا تحكمها نظرية ولا تطبيق في كثير من مجالات الحياة . ولا قيمة لثورة ولا لحركة مهما كان مشربها الفكري لا تهتم بأمن وبحياة وسلامة المواطن .
www.tahsseen.jeeran.com (http://www.tahsseen.jeeran.com/) مدونتي : واحة الكتاب والمبدعين المغمورين
أ . تحسين يحيى أبو عاصي – كاتب فلسطيني مستقل –
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
في جميع دول العالم وكافة حركات التحرر عبر التاريخ ، يعتبر النظر إلى امن المواطن وحياته الركيزة الأساسية والحيوية التي تنطلق من خلالها ولأجلها الثورات والحركات والهبات الجماهيرية وتغيير الحكومات ، لذلك من الخطأ الفادح أن يتم تجزئة مفهوم الأمن الحياتي وفق أهواء ومصالح وأجندة خاصة ، فتسقط شعارات ونظريات رُفعت من قبل ، كما أنه من المصيبة الكبرى أن يخضع ذلك الاعتبار إلى تقصير أو خلل إداري أو قانوني من هنا وهناك ، فمن غير المقبول مثلا أن تجري أي عملية تغيير مجتمعي ، وأن يتم تشريع القوانين نظرياً من أجل أمن وحياة الناس ، وفي المقابل يحدث التراخي وعدم المبالاة في أمنه وحياته في أمور ميدانية وتطبيقية كثيرة كان من السهل التعاطي معها ومعالجتها .
في كل عام يسقط العشرات وربما المئات في فلسطين بين قتيل وجريح من جراء حوادث يمكننا تخفيف حدتها ، والحد من وتيرتها ، لو توفرت إرادة ومسئولية التطبيق عند أصحاب القرار، سواء كانت تلك الحوادث بسبب الغرق في بحر غزة ، أو في برك الصرف الصحي شمال غزة ، أو مجمع مياه الأمطار والصرف الصحي (في فصل الشتاء ) في حديقة أو متنزه المحطة الواقع على امتداد شارع يافا وسط غزة ، أو تلك الناتجة عن صعقات كهربائية ، أو حوادث العمل والمرور بكافة أشكالها ، أو الإهمال الطبي وانتشار الأمراض الخطيرة أو غير ذلك .
في كل عام يأكل البحر عددا من شبابنا وأطفالنا فلذة أكبادنا ، كان آخرها قبل أيام فقط ، ولقد سُررنا عندما سمعنا أن بلدية غزة وحكومة غزة شرعتا في التحقيق لمحاسبة المسئولين من المُنقذين على شاطئ بحر غزة ، وكانت البداية لم تعهدها غزة من قبل في فتح تحقيق جدي ومسئول يتعلق في حوادث الغرق على شاطئ بحر غزة ، على الرغم من أن المنقذين البحريين يفتقرون ليس في هذه الأوقات فحسب ، بل في السنوات السابقة أيضا إلى العوامل المساعدة في الإنقاذ والإسعافات الأولية ، فهم لا يملكون تليفونا من أجل الاتصال ، ولا يملكون قاربا من أجل الإنقاذ ، ولا يوجد بالقرب منهم محطة لإسعاف وإنقاذ الغرقى ، ولا يملكون سيارة إسعاف ، كما لا توجد داخل مياه البحر إشارة لتحديد عدم التجاوز أثناء السباحة ، ولا يتقاضون حوافزا ولا بدل خطر في مرتبهم الشهري الذي يحصلون عليه كل عدة شهور مرة واحدة ، لذلك هم يعتمدون فقط على مهاراتهم الذاتية ، وخبراتهم الشخصية التي اكتسبوها من قبل في عمليات إنقاذ الغرقى .
وفي كل يوم تقريباً نسمع في قطاع غزة عن قتلى وجرحى بسبب حوادث الدراجات النارية ، من بينهم سقط الشاب سالم شعبان قتيلاً ، وسقط أيضاً قبل أيام فقط قتيلان آخران في مدينة رفح ، كما سقط قبل أسابيع قليلة قتيلان قرب منطقة الأزهر في غزة ، ووفقا لتصريحات الدكتور معاوية حسنين مدير الطوارئ والإسعاف في غزة فقد وقع العشرات من الفلسطينيين بين قتيل وجريح بسبب تلك الدراجات في الأيام الأخيرة فقط .
ومن جراء حوادث السير، فقد سقطت قبل أسابيع قليلة طفلتان من عائلتي ( الشيخ والمظلوم ) وهما في طريقهما إلى المدرسة ، مما حدا بحكومة غزة إلى القيام بحملة نظام وتنظيم كبيرة وقوية في شوارع وطرقات قطاع غزة ؛ للتخفيف من حدة حوادث الطرق ، كما سقط من قبل عدد من المشاة والمارة من مختلف الأعمار .
وفي غزة ترتفع وتيرة الموت بسبب الإصابة بمرض السرطان ، كما تزداد وتيرة الموت المفاجئ ارتفاعاً وانتشارا ملحوظاً ، وتكثر الأخطاء الناتجة عن الإهمال الطبي ، كان آخرها قبل أيام قليلة فقط ، عندما أخطا الطبيب في عملية جراحة استئصال اللوزتين لطفل عمره ثلاث سنوات في عيادته الخاصة ، ولعل قصة الشاب حسونة ليست عنا ببعيد ، حيث تُوفي أثناء إجراء العملية الجراحية ، بالإضافة إلى أخطاء في تشخيص الأطباء ، والتي دفع والدي ( رحمه الله ) حياته ثمنا لها ، وما خفي عنا كان أعظم .
وفي دراسة مسحية تبين أن بعض الشباب يتناولون عقار ( الترامان ) ومن بين هؤلاء الشباب صغار في السن ، رغبة في الشعور بسعادة مؤقتة ، والتخلص من مرارة الواقع ، على الرغم من الأخطار والأضرار المترتبة على تناول هذا العقار .
لقد تنفس الناس الصعداء عندما عاشوا فترة استراحوا فيها من عناء الصواريخ الارتدادية ، التي كان يطلقها المقاتلون على دولة الكيان ، تلك الصواريخ التي أوقعت عددا من القتلى والجرحى بين المواطنين الفلسطينيين ، بالإضافة إلى الأضرار في المساكن والمنشآت .
وفي الحرب الأخيرة على غزة يسقط أكثر من سبعة آلاف فلسطيني بين شهيد وجريح وتُُدمر آلاف المنازل .....
نعم لا بد من المقاومة،فلا يمكن نزع الحقوق المغتصبة من خلال فنادق الخمسة نجوم ، ولكن المقاومة تحتاج إلى البندقية الواعية المسيّسة ، وإلى من يهتم بحياة وأمن المواطن في جميع ميادين الحياة .
فهل يسقط الفلسطيني قتيلا أو مصابا ، أو شهيدا أو جريحا بدون تخطيط وبرمجة ، وبدون رؤية عميقة وتحليل دقيق ، بحيث ينعكس من خلال ذلك كله حرص ووعي ومسئولية قادته !! ؟ .
إن ظاهرة تصاعد الموت في غزة تحتاج إلى وقفة ، ليس فقط من القادة أصحاب القرار، بل من جميع شرفاء الوطن .
ربما من السهل عند البعض تبسيط تلك الحوادث والاستهانة بها ، وربما من السهل إيجاد التبريرات وخلق الأعذار ، لكنه من الصعب الاستخفاف بحياة المواطنين التي لا تحكمها نظرية ولا تطبيق في كثير من مجالات الحياة . ولا قيمة لثورة ولا لحركة مهما كان مشربها الفكري لا تهتم بأمن وبحياة وسلامة المواطن .
www.tahsseen.jeeran.com (http://www.tahsseen.jeeran.com/) مدونتي : واحة الكتاب والمبدعين المغمورين