مشروع الحب
08-08-2009, 07:44 PM
الفلسفة هي حب الحكمة والمعرفة ، والبحث عنهما ، وبالتالي فالفلسفة هي النظر - باستقراء عقلي – إلى ما وراء الظواهر والأمور .. وبناءً على ذلك فإن فيلسوف البشرية الأول هو الرسول محمد ( ص ) ، الذي بعثه الله تعالى ليعلّم البشرية جمعاء هذه الحكمة.. قال تعالى : ( كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ) البقرة : 2 / 151
وحينما نقول الفلسفة العربية ، فإننا لا نعني فقط الفلاسفة المسلمين الذين كتبوا في ميدان الفلسفة من أجل الفلسفة ، والذين ارتبط اسمهم بالفلسفة ، إنما نعني أيضاً كل التصورات والرؤى الفكرية لمسائل الدين والوجود والمجتمع والإنسان .. وبالتالي نُدخل في هذه الساحة جميع مذاهب العقيدة والفقه والتفسير ، عبر تاريخ هذه الأمة ..
لقد وُلدت الفلسفة العربية من رحم الدين الإسلامي ، وهي ليست مستقلة عن هذا الدين ، سواءٌ الرؤى الفلسفية التي تنظر إلى الدين الإسلامي من منظار الفلسفة ، أم الرؤى التي تنظر إلى الفلسفة من منظار الدين الإسلامي ..
والفلسفة العربية بمفهومها الفلسفي المجرد عن الدين ، لم تنتشر في الوسط العربي كما انتشر الفقه والتصوف والتفسير ، لأن الفكر الإسلامي كان فلسفة الأمة من علمائها وأمرائها إلى عامتها وفقرائها ..
وسنمر في هذه المحاضرة – إن شاء الله تعالى – على أهم الفلاسفة العرب والمسلمين ، لنرى مدى تأرجح هؤلاء الفلاسفة بين التأثر بروح القرآن الكريم من جهة ، وبين التأثر بالفلسفات الأخرى وخصوصاً الفلسفة اليونانية من جهة أخرى ..
لقد وقف معظم الفلاسفة العرب والمسلمين – باستثناء الغزالي كما سنرى - موقف التوفيق بين روح العقيدة التي يحملها القرآن الكريم من جهة ، وبين مادة الفلسفة اليونانية من جهة أخرى .. ولذلك لا نرى فيلسوفاً عربياً ملحداً بما تحمله الكلمة من معنى كما هو الحال في الأمم الأخرى ، وفي الوقت ذاته يقف معظم الفلاسفة العرب موقف احترام وإعجاب – ما عدا الغزالي كما قلنا – بالفلسفة اليونانية .
لذلك نرى أن ريتشارد فالتزر يقول .. ( من المفيد أن يقارن المرء بين الامتنان العظيم الذي كان فلاسفة المسلمين جميعاً يشعرون به نحو اليونان ، وبين تواضعهم الجمّ عندما يتحدثون عن آثارهم الشخصية في الفلسفة ..)
ولنبدأ بالفلاسفة العرب والمسلمين ابتداءً من ابن المقفع وانتهاءً بابن خلدون :
ابن المقفع : وُلد حوالي سنة 106 هجرية في مدينة جور قرب شيراز ، وكان أبوه مجوسياً من أصل فارسي ..
كان من المتمردين على الآراء التقليدية ، واللجوء - عنده - إلى حك&##1605; العقل هو علاج السوء والحمق والفساد ، وهو السبيل للكشف عن الحقيقة .. يقول : ( العقل مكتسب بالتجارب والأدب ، وله غريزة مكنونة في الإنسان ، كامنة كالنار في الحجر ، لا تظهر ولا يُرى ضوؤها حتى يقدحها قادح من الناس ، فإذا قُدحت ظهرت طبيعتها ، وكذلك العقل كامنٌ في الإنسان ، لا يظهر حتى يُظهره الأدب وتقويه التجارب ..)
ويقول أيضاً : ( غاية الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد ، والسبيل إلى إدراكها العقل الصحيح ، وإمارة صحة العقل اختيار الأمور بالبصر ، وتنفيذ البصر بالعزم ، وللعقول سجيات وغرائز ، بها يُقبل الأدب ، وبالأدب تنمو العقول وتزكو ..)
وهكذا نرى أن فلسفة ابن المقفع فلسفة عقلية ، ترفض الآراء التقليدية البعيدة عن العقل ، وتعتبر العقل بمثابة السبيل الوحيد للكشف عن الحقيقة ، ولتحقيق غاية الإنسان ..
الجاحظ : وُلد سنة 159 هجرية في البصرة ، امتاز بتجربة فلسفية شاملة ، تدل على اطلاعه على ثقافة عصره وما سبقها من ثقافات ، ولذلك نراه ينتقد أرسطو وعلماء عصره من فقهاء ومحدثين .. ولم ينجُ الأدباء والشعراء والخطباء والمترجمون وحتى العامة من نقده ..
اعتقد الجاحظ بأن للمعرفة وجهاً مجرداً مشتركاً بين جميع الأمور، وأن المعرفة الإنسانية صرح تتعاقب الأمم وتتآزر في بنائه ..
وعلى الرغم من أن الجاحظ يعتبر التجربة مقدمة للوصول إلى الحقيقة ، ويطمئن إلى المعرفة الحسية الإختبارية ، إلا أنه في الوقت ذاته ينبه إلى أخطاء الحواس وخداعها ، ويعد العقل الفيصل الأخير الذي يحتكم إليه .. فيقول : ( فلا تذهب إلى ما تريك العين ، واذهب إلى ما يريك العقل ، وللأمور حكمان : حكم ظاهر للحواس ، وحكم باطن للعقول .. والعقل هو الحجة ) ..
ومنهج الجاحظ للوصول إلى اليقين هو أن يتم البدء بالشك المنهجي الواعي عبر طريق المعرفة العقلية .. أي يتم دفع الشك باليقين من خلال المشاهدة والتجربة والمحاكمة البرهانية ..
النظّام : ولد في البصرة سنة 160 هجرية ، وكان من الموالي .. وقد سبقت عقلية النظّام زمنها ، فكان فيها ركنا الشك والتجربة ، اللذان سارت بهما أوروبة في نهضتها الحديثة .. يقول النظّام : ( نازعت الشُكّاك والملحدين فوجدت الشُكّاك أبصر بجواهر الكلام من أصحاب الجحود .. إن الشاكّ أقرب إليك من الجاحد ، ولم يكن يقين قط حتى صار فيه شك ، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حالة شك )
ولذلك من الطبيعي أن يكون النظّام مؤمناً إيماناً شديداً بالعقل في تفسير القرآن الكريم ، وفي نقد الأحاديث ، وأعمال الصحابة ، وآراء الفقهاء .. يقول : ( لا تسترسلوا إلى كثيرٍ من المفسرين ، وإن تصبو أنفسهم إلى العامة ، وأجابوا في كل مسألة ، فإن كثيراً منهم من يقول بغير رواية ، على غير أساس ، وكلما كان المفسر أغرب عندهم كان أحب إليهم .. )
ويقول في نقد المحدثين : ( لقد قدمتم السنور على الكلب ، ورويتم أن النبي ( ص ) أمر بقتل الكلاب واستحياء السنانير وتقريبها وتربيتها ، وأنه قال : إنهن من الطوافات عليكم ، مع أن كل منفعة السنور هي أكل الفأر فقط .. وهو مع ذلك يأكل حمامكم وفراخكم والعصافير التي يتلهى بها أولادكم ، ويأكل الطائر الذي يُتخذ لحسنه وحسن صوته، فإن هو عفّ عن أموالكم ، لم يعفّ عن أموال جيرانكم ، ومنافع الكلب لا تحصيها الطوامير ، ثم السنور مع ذلك يأكل الأوزاع والعقارب والخنافس والحيّات ، وكل خبيثة ، وكل ذات سم ، وكل شيء تعافه النفس ، وقلتم في سؤر السنور وسؤر الكلب ما قلتم ، ثم لم ترضوا به حتى أضفتموه إلى نبيكم ) ..
الكندي : ُولد حوالي سنة 185 هجرية ، وكان أبوه من ولاة الأعمال في الكوفة ..
تأثر الكندي بالفلسفة اليونانية ، ففي علم النفس تأثر بأفلاطون ، وفي الأخلاق بتعاليم سقراط ، وفي الإلهيات بآراء أرسطو ، باستثناء ما يتصل بالله تعالى وصفاته ، وبقضية قدم العالم وخلقه .. واتجه الكندي اتجاهاً معتزلياً في تفسير القرآن الكريم والحديث..
اعتبر الكندي أن الحقيقة تراث مشترك بين الأمم على مرّ العصور.. ويُعدّ أول من دعا إلى وحدة الصف بين الفلاسفة بعيداً عن الحدود القومية لنصرة الفلسفة أمام أعدائها ..
ودعا الكندي إلى عدم إنكار جهد السابقين ، وإلى الإشادة بفضلهم كونهم سبباً لنا لنيل الحق ، فيقول : ( وينبغي لنا ألاّ نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق ، من أين أتى ، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا ، والأمم المباينة لنا ، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق ، وليس ينبغي بخس الحق ، ولا تصغير بقائله ، ولا بالآتي به ، ولا أحد يبخسه الحق ، بل كلّ يشرفه الحق ) ..
وسعى الكندي للتوفيق بين منهجه الرياضي الاستنباطي العقلي ، وبين نظرة المعتزلة في نفي الصفات عن الله تعالى ، فرأى أن ذات الله تعالى هي وحدته التي لا تفسد.. وفي اعتقاد الكندي أن الفلسفة الحق والدين الحق متفقان دائماً ، لأن كلاً منهما هو علم الحق ..
الفارابي : ولد سنة 257 هجرية في بلدة فاراب من تركستان .. ثقافته موسوعية شملت اللغة والرياضيات والكيمياء والفلسفة والعلم الديني والمنطق والفقه .. واستخدم الفلسفة اليونانية لتكوين منظار فلسفي ينظر من خلاله إلى جميع نواحي الإسلام.. بدأ الفارابي بإحصاء العلوم علماً علماً ، وذهب إلى أن علم الحكمة هو أشرف العلوم .. وتأثر بأرسطو وحاول التوفيق بين رأيي أرسطو وأفلاطون ، ليخلص في النتيجة أن المعاني التي قصدها كلٌّ منهم هي واحدة .. وما دفعه إلى ذلك هو اعتقاده بوحدة الفلسفة ..
واعتنق الفارابي مبدأ الفيض ، فرأى أن الله تعالى واجب الوجود ، وهو مصدر كل ما هو في الكون ، ورأى أن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات المخلوقة بأنه يتوق للرجوع إلى مصدره الذي فاض منه ليتحد بالله تعالى ، وذلك عبر تركه للشهوات وما يتعلق بها من المادة ..
وعند الفارابي يلتقي الفيلسوف بالنبي من حيث الجوهر ، ويفترقان من حيث الشكل والأسلوب ، فالنبي يتلقى الحقائق بشكلها الكامل كأنها ماثلة في عالم الحس ، لذا تجنح الشريعة إلى أسلوب التشبيه والتمثيل .. بينما يستقرأ الفيلسوف الحقائق ويستنتجها بشكلها المجرد عن المادة وصورها ، لذا تجنح الفلسفة بالعقل إلى أسلوب البرهان المجرد ..
لننظر إلى النص التالي من قول الفارابي : (إن الموجودات على ضربين: أحدهما ممكن الوجود ، والثاني واجب الوجود .. وممكن الوجود إذا فُرض غير موجود ، لم يلزم عنه محال ، وليس بغني بوجوده عن علته ، وإذا وُجد صار واجب الوجود بغيره لا بذاته، أما الواجب الوجود ، فمتى فُرض غير موجود لزم عنه محال ، ولا علة لوجوده ، ولا يجوز كون وجوده بغيره ، والأشياء الممكنة لا يجوز أن تمر بلانهاية ، في كونها علة ومعلولاً ، ولا يجوز كونها على سبيل الدور ، بل لا بد من انتهائها إلى شيء واجب ، هو الموجود الأول ، الذي هو السبب الأول لوجود الأشياء ، وهو الله تعالى ..)
ويقول أيضاً : ( ولما كان الباري أكمل الموجودات ، وجب أن تكون معرفتنا به أكمل معرفة ، كما أن معرفتنا بالرياضيات أكمل من معرفتنا بالطبيعيات، لأن موضوع الأولى أكمل من موضوع الثانية ، ولكننا أمام الموجود الأول كأننا أمام أبهر الأنوار فلا نستطيع احتماله لضعف أبصارنا ، لأن الضعف الناشئ عن ملابستنا بالمادة يقيد معارفنا ويعوقها )
وهكذا نرى أن الفارابي يميل إلى روح القرآن الكريم ، ولكنه حينما يتفلسف على طريقة الفلسفة الأفلاطونية نراه يميل إلى تلك الفلسفة ..
المعري : وُلد سنة 363 هجرية في معرة النعمان ..
اعتبر المعري العقل سبيلاً للوصول إلى الحقائق ، ومغزى الحياة عنده يتجلى في تجربة الموت ، فالموت عنده هو الحقيقة بدليل أنه ينقض الحياة ..
والمعري نقد المتدينين ، ولا يرى في اختلاف الأئمة رحمة ، بل يراه تناقضاً عجيباً.. ونقد أيضاً العقائد والفقهاء والمتصوفة والزهاد والرهبان والحكام والقضاة والأدباء والدنيا والزمان ..
فمذهبه في الحياة هو التشاؤم ، والحياة عنده كلها تعب ، وخير النساء اللاتي لا يلدن، فعلى المرء أن يجتاز الحياة بانتظار الموت ..
يقول المعري :
كم أمةٍ لعبت بها جهالها فتنطست من قبل في تعذيبها
الخوف يلجئها إلى تصديقها والعقل يحملها على تكذيبها
وجبلّة الناس الفساد وقلّ من يسمو بحكمته إلى تهذيبها
ويقول أيضاً :
وجدت الناس في هرجٍ ومرجٍ غواةً بين معتزلٍ ومُرجِ
فشأن ملوكهم عزفٌ ونزفٌ وأصحاب الأمور جباة خَرجِ
وهمُّ زعيمهم إنهاب مالٍ حرام النهب أو إحلال فَرجِ
ويقول أيضاً :
يدعون في جمعاتهم بسفاهة لأميرهم فيكاد يبكي المنبر
وكأنما دنياك رؤيا نائمٍ بالعكس في عُقب الزمان تعبّر
ويقول أيضاً :
ما فيهم بِرٌّ ولا ناسكٌ إلا إلى نفع له يجذب
أفضل من أفضلهم صخرةٌ لا تظلم الناس ولا تكذب
ابن سينا ( الشيخ الرئيس ) : وُلد سنة 370 هجرية في قرية أفشنة من قرى بخارى.
يقسم ابن سينا الفلسفة إلى :
فلسفة نظرية :الغاية منها تكميل النفس بأن تعلم فقط ، أي اعتقاد ورأي ليس بعمل، وهذه الفلسفة تُعنى بمعرفة الأمور المتعقلة بالأشياء الموجودة التي وجودها ليس باختيارنا وفعلنا ..
فلسفة عملية : الغاية منها أن تعلم النفس ما يُعمل به فتعمل ، وهذه الفلسفة تُعنى بمعرفة الأمور المتعلقة بالأشياء الموجودة التي وجودها باختيارنا وفعلنا ..
ويرى ابن سينا الموجودات كما يلي :
الواجب الوجود بذاته لذاته لا لشيء آخر ، وهو الذي يلزم محال من فرض عدمه، ولا يمكن أن يكون واجباً بغيره ، وهو المبدأ الأول ، أي الله تعالى .
الواجب الوجود لا بذاته : وهو الذي لو وُضع شيءٌ مما ليس هو ، صار واجب الوجود ، كالتصور الذهني للأرقام ، وكعلاقة المقدمات بالنتائج ..
الممكن الوجود : وهو متى فُرض غير موجود ، أو موجوداً ، لم يعرض منه مُحال ..
ويرى ابن سينا أن الله تعالى هو الطرف الأول في سلسلة العلل والمعلولات ، لأن التسلسل بلانهاية باطل ، فالسلسلة مهما امتدت لا بد لها في البداية من طرف يكون غير معلول بل يكون واجب الوجود بذاته ومن ذاته وهو الله تعالى ..
ووقف ابن سينا بين رأي أرسطو وبين النظرية الإسلامية ، بالنسبة لعلم الله تعالى ، وإحاطته بالأشياء .. فأرسطو الذي ذهب إلى أن الله تعالى عقلٌ يعقل بذاته ، ولا يعقل إلا ذاته ، وإلى أن علم الله تعالى بالجزئيات لا يتفق مع كماله ، لأن هذه الجزئيات متغيرة ناقصة .. وكذلك الفارابي ذهب قريباً من مذهب أرسطو بأن الله تعالى يعلم الكليات وحسب ..
ولكن ابن سينا ذهب مذهباً توفيقياً بين هذه الآراء ، وبين النظرية الإسلامية فهو يقول في كتاب ( الشفاء ) : (إن الواجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحوٍ كلّي ، ومع ذلك لا يغرب عنه شيء شخصي ، ولا يغرب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض ، فمعرفة الله إذن تشمل جميع الأشياء دون استثناء ، لأن واجب الوجود يعقل ذاته بذاته ، ويعقل ما بعده من حيث هو علّة لما بعده ، ويعقل سائر الأشياء من حيث وجوبها في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولاً وعرضاً .. أما الأشياء الجزئية فإنها تُعقل كما تُعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها كالكسوف الجزئي فإنه يعقل وقوعه بسبب توافر أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها ، وتعقلها كما تتعقل الكليات ) .
ونظرية الفيض التي جُرف بتيارها الفارابي وغيره من فلاسفة المسلمين ، جُرف ابن سينا بتيارها هو الآخر .. فها هو يقول : ( قد عرفت أن الله تعالى واجب الوجود ، وأنه ليس له صفة زائدة على ذاته تقتضي الأفعال المختلفة ، بل الفعل آثار كمال ذاته ، وإذا كان كذلك ففعله الأول واحد ، لأنه لو صدر عنه اثنان ، لكان ذلك الصدور على جهتين مختلفتين ، لأن الاثنينية في الفعل تقتضي الاثنينية في الفاعل ، والذي يفعل بذاته إن كانت ذاته واحدة فلا يصدر منها إلا واحد ، وإن كانت فيه اثنينية فيكون مركباً ، وقد بينا استحالة ذلك، فيلزم ألا يكون الصادر عنه جسماً لأن كل جسم مركب من الهيولى والصورة ، وهما محتاجان إلى علتين ، أو إلى علة ذات اعتبارين ، وإذا كان ذلك استحال صدورهما من الله تعالى ، لما ثبت أنه ليس فيه تركيب أصلاً ، فإن الصادر منه غير جسم، فهو إذن جوهر مجرد ، وهو العقل الأول ) .
فحسب ما ذهب إليه ابن سينا ، فإن الله تعالى إذ يعقل ذاته يفيض عنه عقل واحد ممكن بذاته واجب الوجود بغيره ، وهو العقل الأول ، وهذا العقل الأول يعقل مبدأه فيفيض عنه عقل ثانٍ ، وهذا العقل يعقل ذاته بأنه واجب الوجود بغيره فتفيض عنه السماء الأولى، ويتكرر عمل العقل الثاني على هذا المنهج فيفيض عنه عقل ثالث ، وهكذا يستمر الفيض حتى العقل العاشر ، ويتوقف الفيض عند العقل العاشر ، حيث يبدأ الكون بالفساد ..
وعند ابن سينا أن العالم ليس بحادث في زمان ، والعالم كان موجوداً في علم الله تعالى ، فأخرجه الله تعالى من الوجود بالقوة ( أي في علمه ) ، إلى الوجود بالفعل ، وهكذا فالعالم بالقوة - أي في علم الله تعالى وإرادته – قديم ..
وعلى الرغم من أن ابن سينا يجاري أرسطو في قدم العالم ، إلا أنه لا يعني أن العالم قديم بذاته ، أو أنه غير مخلوق لله تعالى .. فما يريد ابن سينا قوله هو أن العالم موجودٌ قبل الزمان ، وبالتالي فليس له مبدأٌ زماني .. يقول ابن سينا : ( القدم يُقال على وجوه : (قديم بالقياس ) وهو شيءٌ زمانه في الماضي أكثر من زمان شيءٍ آخر ، فهو قديم بالقياس إليه ، وأما ( القديم المطلق ) ، فهو أيضاً يُقال على وجهين : بحسب الزمان ، وبحسب الذات ، فالقديم بحسب الزمان هو الذي ليس له مبدأ زماني ، والقديم بحسب الذات هو الذي ليس له مبدأٌ يتعلق به ، وهو الواحد الحق تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.)
إن ما يريد ابن سينا أن يقوله هو أن العالم موجودٌ قبل الزمان ، أي أن الزمان مستقلٌ عن مادة العالم ..
بقي أن نذكر أن ابن سينا نفى الغاية عن أفعال الله تعالى ، وقال إن العالي لا غرض له فيمن دونه ، والله تعالى لا غاية له في الوجود ، لأنه هو الغاية لكل موجود ..
الغزالي ( حجة الإسلام ) : وُلد سنة 450 هجرية بمدينة طوس في خراسان .
تعد فلسفة الغزالي ردّة فعل على كل الرؤى الفلسفية العربية الإسلامية التي سبقته والتي حاول فيها – كما رأينا – الفلاسفة العرب ، إما التوفيق بين الفلسفة اليونانية والنظرية الإسلامية ، وإما النظر إلى النظرية الإسلامية من منظار الفلسفة اليونانية..
لقد نظر الغزالي إلى الفلاسفة من منظار النظرية الإسلامية ، ومن زاوية الالتزام بشعائر الدين ، فرأى الفلاسفة على ثلاثة أقسام :
الدهريون : ووصفهم بالزندقة ، لأنهم ادعوا أن العالم لم يزل موجوداً دون صانع .
الطبيعيون : وهم الفلاسفة الذين آمنوا بالله وصفاته ، ولكنهم جحدوا باليوم الآخر ، ولذلك وصفهم أيضاً بالزنادقة .
الإلهيون : كسقراط وأفلاطون وابن سينا والفارابي وغيرهم ، وقد كفّرهم بمسائل ثلاث : 1- قولهم أن الأجساد لا تُحشر .
2- قولهم إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات .
3- قولهم بقدم العالم وأزليته .
وكان منهج الغزالي في نشر فلسفته ، هو مخاطبة الخاصة بلغة الدليل والبرهان والنقد العقلي ، ومخاطبة العامة بلغة التأثير والإقناع والإفحام ..
وعلى الرغم من أن الغزالي ينتهي إلى طريق الصوفية ، وبأنها طريق العلم والعمل، إلا أنه نقد شوائب القول بالحلول والاتحاد وبوحدة الوجود ، وبكل ما هو دخيل على روح الإسلام الصحيح ..
لقد وضع الغزالي كتابه ( مقاصد الفلاسفة ) الذي شرح فيه آراء الفلاسفة وشبهاتهم واستشكالاتهم ، تنفيذاً لقوله : ( إن ردّ المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه ، ردٌّ فيه عماية ) . ثم وضع بعد ذلك كتابه الشهير (تهافت الفلاسفة ) الذي يبيّن فيه إبطال ما يخالف العقل والدين ، من أقوال الفلاسفة المقرين بوجود الله تعالى مع القول بقدم العالم ..
ومن أروع ما أبدعه الغزالي ، وما يحق للفلسفة العربية والإسلامية أن تفتخر به هو قوله عن الزمان .. يقول في هذا الشأن : ( إن الزمان حادثٌ ومخلوق وليس قبله زمان أصلاً .. وما تصوركم وجود الزمان إلا من عجز الوهم ، فإن الوهم يعجز عن فهم وجود مبتدأٍ إلا مع تقدير ( قبل ) له ، وذلك ( القبل ) الذي لا ينفك الوهم يظن أنه شيء محقق موجود هو ( الزمان ) . وهذا العجز في الوهم كعجزه أن يُقدّر تناهي الجسم في جانب الرأس مثلاً ، إلا على سطح له ( فوق ) ، فيتوهم أن وراء العالم مكاناً ، إما خلاء ، وإما ملاء ، وإذا قيل له ليس فوق سطح العالم ( فوق ) ولا بُعد أبعد منه ، كل الوهم عن الإذعان .. )
فما يريد الغزالي قوله هو أن البعد المكاني تابع للجسم ، والبعد الزماني تابع للحركة، ففكرتا الزمان والمكان وجدتا مع العالم وحركته ، وبالتالي فإن فكرة الزمان التي اعتمدها الفلاسفة أساساً للبرهنة على قدم العالم ، ليست صالحة لهذه البرهنة ..
والدارس للنظرية النسبية التي وضع معادلاتها الرياضية العالم الألماني آينشتاين في القرن الماضي ، يرى بأمِّ عينه كيف أن الغزالي سبق هذه النظرية فلسفةً وتصوراً ..
وفي رد الغزالي على قول الفلاسفة بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، يقول : (يلزم من قولكم هذا أن لا يكون في العالم شيء واحد مركب من أفراد ، بل تكون الموجودات كلها آحاداً ، فكيف إذاً وجدت هذه المركبات التي نراها في العالم ؟ .. أمن علّة واحدة ، فيبطل قولكم لا يصدر من الواحد إلا واحد ، أو من علة مركبة ، فيتوجه السؤال نفسه في تركيب العلة ) .
وعن قول الفلاسفة في نظرية الفيض بأن المبدأ الأول فاض عنه العقل الأول ، وبتعقله لعلّته فاض عنه عقل ثانٍ وثالث ، وأفلاك ونفوس .. يرد عليهم فيقول : ( إن ما ذكرتموه من تحكمات ، وهي على التحقيق ، ظلمات فوق ظلمات ، لو حكاه إنسان عن منامٍ رآه ، لاستُدلَ به على سوء مزاجه . وإنه على رأيكم هذا يكون المعلول أشرف من العلة ، من حيث أن العلة ما فاض عنها إلا واحد ، وقد فاض عن هذا ثلاثة : عقل ونفس وفلك ، ومن حيث أن الأول ما عقل إلا نفسه ، والثاني عقل نفسه، ونفس المبدأ ، ونفس المعلولات .. ومن قنع أن يكون قوله في الله تعالى راجعاً إلى هذه الرتبة ، فقد جعله أحقر من كل موجود يعقل نفسه ويعقل غيره ، وقد انتهى بكم التعمق في التعظيم إلى أن أبطلتم كل ما يُفهم من العظمة ، قربتم حاله من حال الميت ، وهكذا يفعل الله بالزائغين ) .
ابن باجه : وُلد في مدينة سرقسطة ، في أواخر القرن الخامس الهجري ..
اعتبر ابن باجه أن العقل أساس السلوك ، وأن المعرفة تُنال به ، وبواسطته تُدرك الموجودات من المادة إلى الله تعالى .. وكان معجباً بالفارابي ، وانتقد الغزالي قائلاً : ( إن الطريق الصحيح في الوصول إلى الله تعالى هو التفكير والتأمل الفلسفي ، لا الأحوال الصوفية وترك التفكير ) .
وفي نظر ابن باجه فإن الغايات التي يرمقها الإنسان ثلاثة أنواع :
جسدية : وهي التي تلبي حاجة الإنسان إذا لم يسمو فوق عالم البهائم .
روحانية جزئية أو خاصة : وتوصل الإنسان إلى الفضائل الخلقية والعقلية .
روحانية كلية أو عامة : وتوصل الإنسان إلى الكمال الإنساني المطلق .
ابن طفيل :وُلد حوالي سنة 506 هجرية في اقليم غرناطة ..
تمتاز الرؤية الفلسفية لابن طفيل بالاعتماد على العقل البشري دون نقل أو تقليد أو تعليم أو إرشاد فلسفي أو ديني ، للوصول إلى الكمال التام باعتماد التفكير الذاتي ..
فما يريد ابن طفيل أن يقوله هو أن العقل الإنساني قادر من غير تعلم ولا إرشاد على إدراك وجود الله تعالى ، وإقامة الأدلة على ذلك .. وبالتالي فإن حكمة مخاطبة الشريعة للناس على قَدَر عقولهم ، هي الحكمة الكاملة ، لأن العقل يعتريه الكلل والعجز حينما يريد أن يتصور ما هو فوق طاقته ..
وقد أفرغ فلسفته هذه في قصته المشهورة ( حي بن يقضان ) .. ففي هذه القصة عرض مسألة الكشف الباطني لإدراك القوة الإلهية ، عبر تطور الإدراك العقلي المجرد عن الشريعة والتربية .. فما وصل إليه بطل قصته ( ابن يقضان ) بالنظر العقلي الخالص يوافق تعاليم الدين ..
ابن رشد : وُلد في قرطبة سنة 520 هجرية ..
كان محباً لأرسطو لدرجة اعتبره فيها الممثل الأكمل للفلسفة ، وأنه أسمى صورة تمثل فيها العقل الإنساني .. ولذلك ألّف كتاباً سماه 0 تهافت التهافت ) رداً على كتاب الغزالي ( تهافت الفلاسفة ) ، وقد دافع ابن رشد عن الفلاسفة ، محاولاً تبرئتهم من الكفر الذي وصفهم به الغزالي .. وبيّن في كتابه ( فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ) أنه لا خلاف بين الفلسفة والشريعة ، لأنه لا خلاف بين العقل والدين ..
والفلسفة عند ابن رشد تجربة بشرية مجردة عن الانتماءات بمختلف أشكالها وصورها .. وفي نظره أن الوحي يتمم العقل ، والنبوة تكمل الفلسفة ..
ويعتقد ابن رشد أنه بالعلم يتم الاتصال بعالم العقول والأرواح .. فيتدرج الإنسان في سموه من الفضائل العملية إلى العلمية ، ومن الحس إلى العقل بالقوة ثم إلى العقل بالفعل ، ثم الاتصال بالعقول المفارقة لتلقي الفيض والإلهام ..
لقد تفلسف ابن رشد في إيضاح معنى القدم والإرادة ، ليبرهن على أن أرسطو والفلاسفة كانوا مؤمنين بوجود الله ، وبأنه يتصف بصفة الإرادة .. يقول ابن رشد في كتابه ( فصل المقال ) : ( وأما مسألة قدم العالم وحدوثه فإن الاختلاف فيها ، عندي ، بين المفكرين من الأشعرية ، وبين الحكماء المتقدمين ، يكاد يكون راجعاً للاختلاف في التسمية ، وبخاصة عند بعض القدماء ، وذلك أنهم اتفقوا على أنها ههنا ثلاثة أصناف من الموجودات : طرفان وواسطة بين الطرفين ، فاتفقوا في تسمية الطرفين ، واختلفوا في الواسطة ، فأما الطرف الواحد فهو موجود وُجد من شيء غيره ، وعن شيء ، أعني عن سبب فاعل ومن مادة ، والزمان متقدم عليه ، أعني على وجوده ، وهذه هي حال الأجسام التي يُدرك تكونها بالحس ، مثل تكّون الماء والهواء والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك ، فهذا الصنف من الموجودات اتفق الجميع من القدماء والأشعريين على تسميتها محدثة . وأما الطرف المقابل لهذا ، فهو موجود لم يكن من شيء ، ولا عن شيء ، ولا تقدمه زمان ، وهذا اتفق الجميع من الطرفين على تسميته ( قديماً ) ، وهذا الموجود مدرك بالبرهان ، وهو الله تبارك وتعالى ، الذي هو فاعل الكل ، وموجده ، والحافظ له سبحانه وتعالى قدره .. وأما الصنف من الموجود الذي بين هذين الطرفين ، فهو موجود لم يكن من شيء ، ولا تقدمه زمان ، ولكنه موجود عن شيء ، أعني عن فاعل ، وهذا هو العالم بأسره .. فهذا الموجود الآخر ، الأمر فيه بيّن : أنه قد أخذ شبهاً من الموجود الكائن الحقيقي ( يعني عالم الشهادة ) ، ومن الموجود القديم ( يعني الله ) ، فمن غلّب عليه ما فيه من شبهة القديم ، على ما فيه من شبهة المحدث ، سماه قديماً ، ومن غلّب عليه ما فيه من شبهة المحدث سماه محدثاً ) ..
إننا نرى أن العثرة التي وقف عندها ابن رشد والفلاسفة الذين يدافع عنهم ، هي عدم تصور الخلق من العدم ، وعدم تصور الزمان ، وبأنه لا زمان قبل خلق العالم وحركته ، هذه العثرة أزالها الغزالي ببرهانه الفلسفي ، ومن بعده العلم الحديث ابتداءً من النظرية النسبية لآينشتاين ..
ويقول ابن رشد في رده على الغزالي من أن الفلاسفة القدماء قالوا إن العالم يصدر عن الله على سبيل الطبع بلا إرادة .. يقول : ( أما قوله عن الفلاسفة ، إنهم يرون أن ما يصدر عن الباري تعالى يصدر عن طريق الطبع ، فقول باطل عليهم ، والذي يرونه في الحقيقة أن صدور الموجودات عنه ، هو بجهة أعلى من الطبيعة والإرادة الإنسانية ، فإن كلتا الجهتين يلحقهما النقصان ، إذ قام البرهان على أنه لا يجوز أن يكون صدور الفعل عنه صدوراً طبيعياً ، ولا صدوراً إرادياً على نحو مفهوم الإرادة ههنا ( أي بين الناس ) ، فهو صادر عنه بجهة أشرف من الإرادة ، ولا يعلم تلك الجهة إلا هو سبحانه وتعالى ، والبرهان على أنه مريد أنه عالم بالضدين ، فلو كان فاعلاً من جهة ما هو عالم فقط ، لفعل الضدين معاً ، وذلك مستحيل ، فوجب أن يكون فعله أحد الضدين باختيار )..
إننا نرى أن ابن رشد ينتهي إلى النتيجة التي انتهى إليها الغزالي نفسه على الرغم من أنه يرد عليه .. فاعجاب ابن رشد بأرسطو وغيره من الفلاسفة ، وحبه لهم .. ونقد الغزالي لتلك الفلسفات ، هو ما دفع ابن رشد لنقد الغزالي بغض النظر عن النتيجة التي سيصل إليها .. لننظر إلى قوله التالي : ( فلا ينبغي أن يُشَك في أن هذه الموجودات قد يفعل بعضها ببعض ، وأنها ليست مكتفية بأنفسها في هذا الفعل ، بل بفاعل من خارج ، فعله شرطٌ في فعلها ، بل في وجودها ، فضلاً عن فعلها ) ..
ابن خلدون : وُلد في تونس سنة 732 هجرية ..
يُعد ابن خلدون علماً من أعلام فلسفة التاريخ والاجتماع الحديث .. وعلى الرغم من أنه لم ينكر العقل ، ولم يُعرض عن العلوم العقلية ، فإنه أعلن فساد منتحلي الفلسفة ، وبالتالي إنكارها ..
لقد وضع ابن خلدون نظرية شاملة تبين انتقال المجتمعات من مرحلة البداوة إلى مرحلة الحضارة .. وبالتالي اعتبر أن للدول أعماراً كما هو الحال للأشخاص .. وتعد العصبية – عند ابن خلدون – الدافع الذي يدفع المجتمعات إلى غاية الملك ، وبعد استقرار الملك ، وأركان الدولة ، تضعف العصبية ، وينتقل الحكم إلى شعب آخر أقوى عصبية..
ورأي ابن خلدون في فلسفة المعرفة بشكل عام يمكننا أن نراه في نصه التالي :( إن تصورات الفكر ، مهما رُدَّت إلى تصورات سابقة ، فليس كل ما يقع في النفس من التصورات يعرف سببه ، إذ لا يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية ، وعلى ترتيبها ، إنما هي أشياء يلقيها الله في الفكر يتبع بعضها بعضاً ، والإنسان عاجز عن معرفة مبادئها وغاياتها ، وإنما يحيط العلماء ، في الغالب ، بالأسباب التي هي طبيعية ظاهرة )
ورأي ابن خلدون في الوجود ، يعتمد فيه على دليل الحدوث .. لننظر إلى نصه التالي : ( إن الحوادث في العالم ، سواء أكانت من الذوات أو من الأفعال ، لا بد لها من أسباب متقدمة عليها ، وكل واحد من هذه الأسباب حادثٌ أيضاً ، فلا بد له من أسباب أخرى ، ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب ، وموجدها ، وخالقها سبحانه لا إله إلا هو ) .
وهكذا نرى أن الفلسفة العربية تأرجحت بين تيارٍ أُعجب بالفلسفة اليونانية فراح ينظر إلى الإسلام من خلالها ، كما فعل معظم الفلاسفة العرب والمسلمين .. وبين تيارٍ استوعب الفلسفة دون أن يجحد روح الإسلام ، فوزن الفلسفة بميزان الإسلام كما فعل الغزالي ..
والملفت للنظر في استعراض أهم الفلاسفة العرب أنه منذ حوالي سبعة قرون لم نرَ فيلسوفاً عربياً أو إسلامياً مميزاً كالغزالي وابن رشد وغيرهما ، وفي الوقت ذاته لم نرَ فقيهاً مميزاً كالفقهاء المعروفين .. وفي هذا دليلنا على أن الفلسفة العربية بكل اتجاهاتها ليست مستقلة عن مد الفكر الإسلامي ، فقد وُلدت في رحم الفكر الإسلامي ، ووصلت أوجها في أوج مد الفكر الإسلامي ، ووصلت الحضيض في تراجع مد الفكر الإسلامي ..
وعلى الرغم من أن بعض فلاسفة الهند يعتقدون هم وأتباعهم أنهم حاملو رسالات سماوية إصلاحية للبشر ، وعلى الرغم من أن سقراط كان يعتبر نفسه مبعوثاً من الآلهة ومكلفاً لتنبيه الناس أنهم يدعون الحكمة وليسوا حكماء .. على الرغم من ذلك فإن هذه الفلسفات جميعها كانت غير مؤطرة بنصوص سماوية تكون ميزاناً لفلسفة الأمة بعيداً عن أولئك الفلاسفة .
نحن لا ننكر أنه من الممكن أن يكون بعض تلك الفلسفات عبارة عن نهايات لرسالات سماوية حُرفت مع الزمن ، لأننا نرى في هذه الفلسفات رؤىً عظيمة ورسالات إصلاحية هامة .. ولا نجحد عظمة تلك العقول التي أضاءت الكثير من الحقائق ، والتي فتحت آفاقاً جديدة للتفكر ولسمو النفس الإنسانية .. ولكن الفيلسوف – في تلك الفلسفات – يصدر عنه النص الفلسفي وبالتالي هو التمثل البشري لفلسفته ، وقد رأينا كيف أن ابن رشد اعتبر أرسطو الممثل الأكمل للفلسفة ، وأنه أسمى صورة تمثل فيها العقل الإنساني ..
أما في الفلسفة العربية فلا نرى ذلك على الإطلاق .. فكل الفلاسفة العرب ، على إطلاق مفهوم الفلسفة الذي يشمل علماء الفقه والعقيدة .. كلهم يُوضعون في ميزان القرآن الكريم ، ودورهم الفلسفي لا يتعدى ادراك دلالات ما يحمله القرآن الكريم من فلسفة الوجود وفلسفة المعرفة وفلسفة الحياة بشكلٍ عام ..
فنظرية الفيض التي جُرف بتيارها بعض الفلاسفة العرب كالفارابي وابن سينا ، لم تلقَ آذاناً صاغية ذات قيمة في الفكر العربي ، لأنها ليست نابعة من دلالات القرآن الكريم ، فهي – كما رأينا – ليست أكثر من محاولة للنظر إلى مفهوم الخالق الذي خلق كل شيء – كما يؤكد القرآن الكريم – من منظار فلسفة غريبة عن فكر هذه الأمة ، تعتبر أن صدور الأشياء المركبة عن الله تعالى تقتضي أن الله تعالى مركب ، وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وقد رأينا كيف رد الغزالي على ذلك ..
ومحاولة ابن سينا للتوفيق بين رأي أرسطو أن الله تعالى لا يعقل إلا ذاته وأن علم الله تعالى بالجزئيات لا يتفق مع كماله ، وبين ما يقره القرآن الكريم من أن اللع تعالى يعلم كل شيء من الجزئيات إلى الكليات ، هو ما دفع ابن سينا – كما رأينا – للقول بأن الله تعالى يعقل الأشياء بسبب توافر علم أسباب وقوعها – أي أن الأشياء الجزئية تعقل كما تعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها .. وهذا الرأي نرى أنه لم يجد آذاناً صاغية في الفكر الإسلامي لأنه نابعاً من دلالات القرآن الكريم ..
ومحاولة ابن رشد للتوفيق بين الفلاسفة القدماء من أن العالم يصدر عن الله تعالى على سبيل الطبع بلا إرادة ، وبين صريح القرآن الكريم من أن الله تعالى يفعل ما يريد حيث قال ابن رشد : ( لا يجوز أن يكون صدور الفعل عنه – أي عن الله تعالى – صدوراً طبيعياً ، ولا صدوراً إرادياً على نحو مفهوم الإرادة ههنا – أي بين الناس - ) هذه المحاولة هي الأخرى بقيت بعيدة عن فكر هذه الأمة ، وإن وجدت آذاناً صاغية في أممٍ أخرى ..
إذاً الفلسفة العربية تأرجحت بين النظر إلى الفلسفات الأخرى من منظار القرآن الكريم ، وبين النظر إلى القرآن الكريم من منظار الفلسفات الأخرى ..
وأخيراً اعتبر هذه المحاضرة مفتاحاً لباب الحوار ، الذي ربما يكون شرارةً لرؤى جديدة ، قد تقودنا ليس إلى إدراك أمثل لحقيقة الفلسفة العربية في الماضي فحسب ، بل إلى تصور حدود الفلسفة العربية في المستقبل ..
نقلا عن :: المهندس عدنان الرفاعي
مع الاحترام الجزيل
الفارس النبيل
وحينما نقول الفلسفة العربية ، فإننا لا نعني فقط الفلاسفة المسلمين الذين كتبوا في ميدان الفلسفة من أجل الفلسفة ، والذين ارتبط اسمهم بالفلسفة ، إنما نعني أيضاً كل التصورات والرؤى الفكرية لمسائل الدين والوجود والمجتمع والإنسان .. وبالتالي نُدخل في هذه الساحة جميع مذاهب العقيدة والفقه والتفسير ، عبر تاريخ هذه الأمة ..
لقد وُلدت الفلسفة العربية من رحم الدين الإسلامي ، وهي ليست مستقلة عن هذا الدين ، سواءٌ الرؤى الفلسفية التي تنظر إلى الدين الإسلامي من منظار الفلسفة ، أم الرؤى التي تنظر إلى الفلسفة من منظار الدين الإسلامي ..
والفلسفة العربية بمفهومها الفلسفي المجرد عن الدين ، لم تنتشر في الوسط العربي كما انتشر الفقه والتصوف والتفسير ، لأن الفكر الإسلامي كان فلسفة الأمة من علمائها وأمرائها إلى عامتها وفقرائها ..
وسنمر في هذه المحاضرة – إن شاء الله تعالى – على أهم الفلاسفة العرب والمسلمين ، لنرى مدى تأرجح هؤلاء الفلاسفة بين التأثر بروح القرآن الكريم من جهة ، وبين التأثر بالفلسفات الأخرى وخصوصاً الفلسفة اليونانية من جهة أخرى ..
لقد وقف معظم الفلاسفة العرب والمسلمين – باستثناء الغزالي كما سنرى - موقف التوفيق بين روح العقيدة التي يحملها القرآن الكريم من جهة ، وبين مادة الفلسفة اليونانية من جهة أخرى .. ولذلك لا نرى فيلسوفاً عربياً ملحداً بما تحمله الكلمة من معنى كما هو الحال في الأمم الأخرى ، وفي الوقت ذاته يقف معظم الفلاسفة العرب موقف احترام وإعجاب – ما عدا الغزالي كما قلنا – بالفلسفة اليونانية .
لذلك نرى أن ريتشارد فالتزر يقول .. ( من المفيد أن يقارن المرء بين الامتنان العظيم الذي كان فلاسفة المسلمين جميعاً يشعرون به نحو اليونان ، وبين تواضعهم الجمّ عندما يتحدثون عن آثارهم الشخصية في الفلسفة ..)
ولنبدأ بالفلاسفة العرب والمسلمين ابتداءً من ابن المقفع وانتهاءً بابن خلدون :
ابن المقفع : وُلد حوالي سنة 106 هجرية في مدينة جور قرب شيراز ، وكان أبوه مجوسياً من أصل فارسي ..
كان من المتمردين على الآراء التقليدية ، واللجوء - عنده - إلى حك&##1605; العقل هو علاج السوء والحمق والفساد ، وهو السبيل للكشف عن الحقيقة .. يقول : ( العقل مكتسب بالتجارب والأدب ، وله غريزة مكنونة في الإنسان ، كامنة كالنار في الحجر ، لا تظهر ولا يُرى ضوؤها حتى يقدحها قادح من الناس ، فإذا قُدحت ظهرت طبيعتها ، وكذلك العقل كامنٌ في الإنسان ، لا يظهر حتى يُظهره الأدب وتقويه التجارب ..)
ويقول أيضاً : ( غاية الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد ، والسبيل إلى إدراكها العقل الصحيح ، وإمارة صحة العقل اختيار الأمور بالبصر ، وتنفيذ البصر بالعزم ، وللعقول سجيات وغرائز ، بها يُقبل الأدب ، وبالأدب تنمو العقول وتزكو ..)
وهكذا نرى أن فلسفة ابن المقفع فلسفة عقلية ، ترفض الآراء التقليدية البعيدة عن العقل ، وتعتبر العقل بمثابة السبيل الوحيد للكشف عن الحقيقة ، ولتحقيق غاية الإنسان ..
الجاحظ : وُلد سنة 159 هجرية في البصرة ، امتاز بتجربة فلسفية شاملة ، تدل على اطلاعه على ثقافة عصره وما سبقها من ثقافات ، ولذلك نراه ينتقد أرسطو وعلماء عصره من فقهاء ومحدثين .. ولم ينجُ الأدباء والشعراء والخطباء والمترجمون وحتى العامة من نقده ..
اعتقد الجاحظ بأن للمعرفة وجهاً مجرداً مشتركاً بين جميع الأمور، وأن المعرفة الإنسانية صرح تتعاقب الأمم وتتآزر في بنائه ..
وعلى الرغم من أن الجاحظ يعتبر التجربة مقدمة للوصول إلى الحقيقة ، ويطمئن إلى المعرفة الحسية الإختبارية ، إلا أنه في الوقت ذاته ينبه إلى أخطاء الحواس وخداعها ، ويعد العقل الفيصل الأخير الذي يحتكم إليه .. فيقول : ( فلا تذهب إلى ما تريك العين ، واذهب إلى ما يريك العقل ، وللأمور حكمان : حكم ظاهر للحواس ، وحكم باطن للعقول .. والعقل هو الحجة ) ..
ومنهج الجاحظ للوصول إلى اليقين هو أن يتم البدء بالشك المنهجي الواعي عبر طريق المعرفة العقلية .. أي يتم دفع الشك باليقين من خلال المشاهدة والتجربة والمحاكمة البرهانية ..
النظّام : ولد في البصرة سنة 160 هجرية ، وكان من الموالي .. وقد سبقت عقلية النظّام زمنها ، فكان فيها ركنا الشك والتجربة ، اللذان سارت بهما أوروبة في نهضتها الحديثة .. يقول النظّام : ( نازعت الشُكّاك والملحدين فوجدت الشُكّاك أبصر بجواهر الكلام من أصحاب الجحود .. إن الشاكّ أقرب إليك من الجاحد ، ولم يكن يقين قط حتى صار فيه شك ، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حالة شك )
ولذلك من الطبيعي أن يكون النظّام مؤمناً إيماناً شديداً بالعقل في تفسير القرآن الكريم ، وفي نقد الأحاديث ، وأعمال الصحابة ، وآراء الفقهاء .. يقول : ( لا تسترسلوا إلى كثيرٍ من المفسرين ، وإن تصبو أنفسهم إلى العامة ، وأجابوا في كل مسألة ، فإن كثيراً منهم من يقول بغير رواية ، على غير أساس ، وكلما كان المفسر أغرب عندهم كان أحب إليهم .. )
ويقول في نقد المحدثين : ( لقد قدمتم السنور على الكلب ، ورويتم أن النبي ( ص ) أمر بقتل الكلاب واستحياء السنانير وتقريبها وتربيتها ، وأنه قال : إنهن من الطوافات عليكم ، مع أن كل منفعة السنور هي أكل الفأر فقط .. وهو مع ذلك يأكل حمامكم وفراخكم والعصافير التي يتلهى بها أولادكم ، ويأكل الطائر الذي يُتخذ لحسنه وحسن صوته، فإن هو عفّ عن أموالكم ، لم يعفّ عن أموال جيرانكم ، ومنافع الكلب لا تحصيها الطوامير ، ثم السنور مع ذلك يأكل الأوزاع والعقارب والخنافس والحيّات ، وكل خبيثة ، وكل ذات سم ، وكل شيء تعافه النفس ، وقلتم في سؤر السنور وسؤر الكلب ما قلتم ، ثم لم ترضوا به حتى أضفتموه إلى نبيكم ) ..
الكندي : ُولد حوالي سنة 185 هجرية ، وكان أبوه من ولاة الأعمال في الكوفة ..
تأثر الكندي بالفلسفة اليونانية ، ففي علم النفس تأثر بأفلاطون ، وفي الأخلاق بتعاليم سقراط ، وفي الإلهيات بآراء أرسطو ، باستثناء ما يتصل بالله تعالى وصفاته ، وبقضية قدم العالم وخلقه .. واتجه الكندي اتجاهاً معتزلياً في تفسير القرآن الكريم والحديث..
اعتبر الكندي أن الحقيقة تراث مشترك بين الأمم على مرّ العصور.. ويُعدّ أول من دعا إلى وحدة الصف بين الفلاسفة بعيداً عن الحدود القومية لنصرة الفلسفة أمام أعدائها ..
ودعا الكندي إلى عدم إنكار جهد السابقين ، وإلى الإشادة بفضلهم كونهم سبباً لنا لنيل الحق ، فيقول : ( وينبغي لنا ألاّ نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق ، من أين أتى ، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا ، والأمم المباينة لنا ، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق ، وليس ينبغي بخس الحق ، ولا تصغير بقائله ، ولا بالآتي به ، ولا أحد يبخسه الحق ، بل كلّ يشرفه الحق ) ..
وسعى الكندي للتوفيق بين منهجه الرياضي الاستنباطي العقلي ، وبين نظرة المعتزلة في نفي الصفات عن الله تعالى ، فرأى أن ذات الله تعالى هي وحدته التي لا تفسد.. وفي اعتقاد الكندي أن الفلسفة الحق والدين الحق متفقان دائماً ، لأن كلاً منهما هو علم الحق ..
الفارابي : ولد سنة 257 هجرية في بلدة فاراب من تركستان .. ثقافته موسوعية شملت اللغة والرياضيات والكيمياء والفلسفة والعلم الديني والمنطق والفقه .. واستخدم الفلسفة اليونانية لتكوين منظار فلسفي ينظر من خلاله إلى جميع نواحي الإسلام.. بدأ الفارابي بإحصاء العلوم علماً علماً ، وذهب إلى أن علم الحكمة هو أشرف العلوم .. وتأثر بأرسطو وحاول التوفيق بين رأيي أرسطو وأفلاطون ، ليخلص في النتيجة أن المعاني التي قصدها كلٌّ منهم هي واحدة .. وما دفعه إلى ذلك هو اعتقاده بوحدة الفلسفة ..
واعتنق الفارابي مبدأ الفيض ، فرأى أن الله تعالى واجب الوجود ، وهو مصدر كل ما هو في الكون ، ورأى أن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات المخلوقة بأنه يتوق للرجوع إلى مصدره الذي فاض منه ليتحد بالله تعالى ، وذلك عبر تركه للشهوات وما يتعلق بها من المادة ..
وعند الفارابي يلتقي الفيلسوف بالنبي من حيث الجوهر ، ويفترقان من حيث الشكل والأسلوب ، فالنبي يتلقى الحقائق بشكلها الكامل كأنها ماثلة في عالم الحس ، لذا تجنح الشريعة إلى أسلوب التشبيه والتمثيل .. بينما يستقرأ الفيلسوف الحقائق ويستنتجها بشكلها المجرد عن المادة وصورها ، لذا تجنح الفلسفة بالعقل إلى أسلوب البرهان المجرد ..
لننظر إلى النص التالي من قول الفارابي : (إن الموجودات على ضربين: أحدهما ممكن الوجود ، والثاني واجب الوجود .. وممكن الوجود إذا فُرض غير موجود ، لم يلزم عنه محال ، وليس بغني بوجوده عن علته ، وإذا وُجد صار واجب الوجود بغيره لا بذاته، أما الواجب الوجود ، فمتى فُرض غير موجود لزم عنه محال ، ولا علة لوجوده ، ولا يجوز كون وجوده بغيره ، والأشياء الممكنة لا يجوز أن تمر بلانهاية ، في كونها علة ومعلولاً ، ولا يجوز كونها على سبيل الدور ، بل لا بد من انتهائها إلى شيء واجب ، هو الموجود الأول ، الذي هو السبب الأول لوجود الأشياء ، وهو الله تعالى ..)
ويقول أيضاً : ( ولما كان الباري أكمل الموجودات ، وجب أن تكون معرفتنا به أكمل معرفة ، كما أن معرفتنا بالرياضيات أكمل من معرفتنا بالطبيعيات، لأن موضوع الأولى أكمل من موضوع الثانية ، ولكننا أمام الموجود الأول كأننا أمام أبهر الأنوار فلا نستطيع احتماله لضعف أبصارنا ، لأن الضعف الناشئ عن ملابستنا بالمادة يقيد معارفنا ويعوقها )
وهكذا نرى أن الفارابي يميل إلى روح القرآن الكريم ، ولكنه حينما يتفلسف على طريقة الفلسفة الأفلاطونية نراه يميل إلى تلك الفلسفة ..
المعري : وُلد سنة 363 هجرية في معرة النعمان ..
اعتبر المعري العقل سبيلاً للوصول إلى الحقائق ، ومغزى الحياة عنده يتجلى في تجربة الموت ، فالموت عنده هو الحقيقة بدليل أنه ينقض الحياة ..
والمعري نقد المتدينين ، ولا يرى في اختلاف الأئمة رحمة ، بل يراه تناقضاً عجيباً.. ونقد أيضاً العقائد والفقهاء والمتصوفة والزهاد والرهبان والحكام والقضاة والأدباء والدنيا والزمان ..
فمذهبه في الحياة هو التشاؤم ، والحياة عنده كلها تعب ، وخير النساء اللاتي لا يلدن، فعلى المرء أن يجتاز الحياة بانتظار الموت ..
يقول المعري :
كم أمةٍ لعبت بها جهالها فتنطست من قبل في تعذيبها
الخوف يلجئها إلى تصديقها والعقل يحملها على تكذيبها
وجبلّة الناس الفساد وقلّ من يسمو بحكمته إلى تهذيبها
ويقول أيضاً :
وجدت الناس في هرجٍ ومرجٍ غواةً بين معتزلٍ ومُرجِ
فشأن ملوكهم عزفٌ ونزفٌ وأصحاب الأمور جباة خَرجِ
وهمُّ زعيمهم إنهاب مالٍ حرام النهب أو إحلال فَرجِ
ويقول أيضاً :
يدعون في جمعاتهم بسفاهة لأميرهم فيكاد يبكي المنبر
وكأنما دنياك رؤيا نائمٍ بالعكس في عُقب الزمان تعبّر
ويقول أيضاً :
ما فيهم بِرٌّ ولا ناسكٌ إلا إلى نفع له يجذب
أفضل من أفضلهم صخرةٌ لا تظلم الناس ولا تكذب
ابن سينا ( الشيخ الرئيس ) : وُلد سنة 370 هجرية في قرية أفشنة من قرى بخارى.
يقسم ابن سينا الفلسفة إلى :
فلسفة نظرية :الغاية منها تكميل النفس بأن تعلم فقط ، أي اعتقاد ورأي ليس بعمل، وهذه الفلسفة تُعنى بمعرفة الأمور المتعقلة بالأشياء الموجودة التي وجودها ليس باختيارنا وفعلنا ..
فلسفة عملية : الغاية منها أن تعلم النفس ما يُعمل به فتعمل ، وهذه الفلسفة تُعنى بمعرفة الأمور المتعلقة بالأشياء الموجودة التي وجودها باختيارنا وفعلنا ..
ويرى ابن سينا الموجودات كما يلي :
الواجب الوجود بذاته لذاته لا لشيء آخر ، وهو الذي يلزم محال من فرض عدمه، ولا يمكن أن يكون واجباً بغيره ، وهو المبدأ الأول ، أي الله تعالى .
الواجب الوجود لا بذاته : وهو الذي لو وُضع شيءٌ مما ليس هو ، صار واجب الوجود ، كالتصور الذهني للأرقام ، وكعلاقة المقدمات بالنتائج ..
الممكن الوجود : وهو متى فُرض غير موجود ، أو موجوداً ، لم يعرض منه مُحال ..
ويرى ابن سينا أن الله تعالى هو الطرف الأول في سلسلة العلل والمعلولات ، لأن التسلسل بلانهاية باطل ، فالسلسلة مهما امتدت لا بد لها في البداية من طرف يكون غير معلول بل يكون واجب الوجود بذاته ومن ذاته وهو الله تعالى ..
ووقف ابن سينا بين رأي أرسطو وبين النظرية الإسلامية ، بالنسبة لعلم الله تعالى ، وإحاطته بالأشياء .. فأرسطو الذي ذهب إلى أن الله تعالى عقلٌ يعقل بذاته ، ولا يعقل إلا ذاته ، وإلى أن علم الله تعالى بالجزئيات لا يتفق مع كماله ، لأن هذه الجزئيات متغيرة ناقصة .. وكذلك الفارابي ذهب قريباً من مذهب أرسطو بأن الله تعالى يعلم الكليات وحسب ..
ولكن ابن سينا ذهب مذهباً توفيقياً بين هذه الآراء ، وبين النظرية الإسلامية فهو يقول في كتاب ( الشفاء ) : (إن الواجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحوٍ كلّي ، ومع ذلك لا يغرب عنه شيء شخصي ، ولا يغرب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض ، فمعرفة الله إذن تشمل جميع الأشياء دون استثناء ، لأن واجب الوجود يعقل ذاته بذاته ، ويعقل ما بعده من حيث هو علّة لما بعده ، ويعقل سائر الأشياء من حيث وجوبها في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولاً وعرضاً .. أما الأشياء الجزئية فإنها تُعقل كما تُعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها كالكسوف الجزئي فإنه يعقل وقوعه بسبب توافر أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها ، وتعقلها كما تتعقل الكليات ) .
ونظرية الفيض التي جُرف بتيارها الفارابي وغيره من فلاسفة المسلمين ، جُرف ابن سينا بتيارها هو الآخر .. فها هو يقول : ( قد عرفت أن الله تعالى واجب الوجود ، وأنه ليس له صفة زائدة على ذاته تقتضي الأفعال المختلفة ، بل الفعل آثار كمال ذاته ، وإذا كان كذلك ففعله الأول واحد ، لأنه لو صدر عنه اثنان ، لكان ذلك الصدور على جهتين مختلفتين ، لأن الاثنينية في الفعل تقتضي الاثنينية في الفاعل ، والذي يفعل بذاته إن كانت ذاته واحدة فلا يصدر منها إلا واحد ، وإن كانت فيه اثنينية فيكون مركباً ، وقد بينا استحالة ذلك، فيلزم ألا يكون الصادر عنه جسماً لأن كل جسم مركب من الهيولى والصورة ، وهما محتاجان إلى علتين ، أو إلى علة ذات اعتبارين ، وإذا كان ذلك استحال صدورهما من الله تعالى ، لما ثبت أنه ليس فيه تركيب أصلاً ، فإن الصادر منه غير جسم، فهو إذن جوهر مجرد ، وهو العقل الأول ) .
فحسب ما ذهب إليه ابن سينا ، فإن الله تعالى إذ يعقل ذاته يفيض عنه عقل واحد ممكن بذاته واجب الوجود بغيره ، وهو العقل الأول ، وهذا العقل الأول يعقل مبدأه فيفيض عنه عقل ثانٍ ، وهذا العقل يعقل ذاته بأنه واجب الوجود بغيره فتفيض عنه السماء الأولى، ويتكرر عمل العقل الثاني على هذا المنهج فيفيض عنه عقل ثالث ، وهكذا يستمر الفيض حتى العقل العاشر ، ويتوقف الفيض عند العقل العاشر ، حيث يبدأ الكون بالفساد ..
وعند ابن سينا أن العالم ليس بحادث في زمان ، والعالم كان موجوداً في علم الله تعالى ، فأخرجه الله تعالى من الوجود بالقوة ( أي في علمه ) ، إلى الوجود بالفعل ، وهكذا فالعالم بالقوة - أي في علم الله تعالى وإرادته – قديم ..
وعلى الرغم من أن ابن سينا يجاري أرسطو في قدم العالم ، إلا أنه لا يعني أن العالم قديم بذاته ، أو أنه غير مخلوق لله تعالى .. فما يريد ابن سينا قوله هو أن العالم موجودٌ قبل الزمان ، وبالتالي فليس له مبدأٌ زماني .. يقول ابن سينا : ( القدم يُقال على وجوه : (قديم بالقياس ) وهو شيءٌ زمانه في الماضي أكثر من زمان شيءٍ آخر ، فهو قديم بالقياس إليه ، وأما ( القديم المطلق ) ، فهو أيضاً يُقال على وجهين : بحسب الزمان ، وبحسب الذات ، فالقديم بحسب الزمان هو الذي ليس له مبدأ زماني ، والقديم بحسب الذات هو الذي ليس له مبدأٌ يتعلق به ، وهو الواحد الحق تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.)
إن ما يريد ابن سينا أن يقوله هو أن العالم موجودٌ قبل الزمان ، أي أن الزمان مستقلٌ عن مادة العالم ..
بقي أن نذكر أن ابن سينا نفى الغاية عن أفعال الله تعالى ، وقال إن العالي لا غرض له فيمن دونه ، والله تعالى لا غاية له في الوجود ، لأنه هو الغاية لكل موجود ..
الغزالي ( حجة الإسلام ) : وُلد سنة 450 هجرية بمدينة طوس في خراسان .
تعد فلسفة الغزالي ردّة فعل على كل الرؤى الفلسفية العربية الإسلامية التي سبقته والتي حاول فيها – كما رأينا – الفلاسفة العرب ، إما التوفيق بين الفلسفة اليونانية والنظرية الإسلامية ، وإما النظر إلى النظرية الإسلامية من منظار الفلسفة اليونانية..
لقد نظر الغزالي إلى الفلاسفة من منظار النظرية الإسلامية ، ومن زاوية الالتزام بشعائر الدين ، فرأى الفلاسفة على ثلاثة أقسام :
الدهريون : ووصفهم بالزندقة ، لأنهم ادعوا أن العالم لم يزل موجوداً دون صانع .
الطبيعيون : وهم الفلاسفة الذين آمنوا بالله وصفاته ، ولكنهم جحدوا باليوم الآخر ، ولذلك وصفهم أيضاً بالزنادقة .
الإلهيون : كسقراط وأفلاطون وابن سينا والفارابي وغيرهم ، وقد كفّرهم بمسائل ثلاث : 1- قولهم أن الأجساد لا تُحشر .
2- قولهم إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات .
3- قولهم بقدم العالم وأزليته .
وكان منهج الغزالي في نشر فلسفته ، هو مخاطبة الخاصة بلغة الدليل والبرهان والنقد العقلي ، ومخاطبة العامة بلغة التأثير والإقناع والإفحام ..
وعلى الرغم من أن الغزالي ينتهي إلى طريق الصوفية ، وبأنها طريق العلم والعمل، إلا أنه نقد شوائب القول بالحلول والاتحاد وبوحدة الوجود ، وبكل ما هو دخيل على روح الإسلام الصحيح ..
لقد وضع الغزالي كتابه ( مقاصد الفلاسفة ) الذي شرح فيه آراء الفلاسفة وشبهاتهم واستشكالاتهم ، تنفيذاً لقوله : ( إن ردّ المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه ، ردٌّ فيه عماية ) . ثم وضع بعد ذلك كتابه الشهير (تهافت الفلاسفة ) الذي يبيّن فيه إبطال ما يخالف العقل والدين ، من أقوال الفلاسفة المقرين بوجود الله تعالى مع القول بقدم العالم ..
ومن أروع ما أبدعه الغزالي ، وما يحق للفلسفة العربية والإسلامية أن تفتخر به هو قوله عن الزمان .. يقول في هذا الشأن : ( إن الزمان حادثٌ ومخلوق وليس قبله زمان أصلاً .. وما تصوركم وجود الزمان إلا من عجز الوهم ، فإن الوهم يعجز عن فهم وجود مبتدأٍ إلا مع تقدير ( قبل ) له ، وذلك ( القبل ) الذي لا ينفك الوهم يظن أنه شيء محقق موجود هو ( الزمان ) . وهذا العجز في الوهم كعجزه أن يُقدّر تناهي الجسم في جانب الرأس مثلاً ، إلا على سطح له ( فوق ) ، فيتوهم أن وراء العالم مكاناً ، إما خلاء ، وإما ملاء ، وإذا قيل له ليس فوق سطح العالم ( فوق ) ولا بُعد أبعد منه ، كل الوهم عن الإذعان .. )
فما يريد الغزالي قوله هو أن البعد المكاني تابع للجسم ، والبعد الزماني تابع للحركة، ففكرتا الزمان والمكان وجدتا مع العالم وحركته ، وبالتالي فإن فكرة الزمان التي اعتمدها الفلاسفة أساساً للبرهنة على قدم العالم ، ليست صالحة لهذه البرهنة ..
والدارس للنظرية النسبية التي وضع معادلاتها الرياضية العالم الألماني آينشتاين في القرن الماضي ، يرى بأمِّ عينه كيف أن الغزالي سبق هذه النظرية فلسفةً وتصوراً ..
وفي رد الغزالي على قول الفلاسفة بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، يقول : (يلزم من قولكم هذا أن لا يكون في العالم شيء واحد مركب من أفراد ، بل تكون الموجودات كلها آحاداً ، فكيف إذاً وجدت هذه المركبات التي نراها في العالم ؟ .. أمن علّة واحدة ، فيبطل قولكم لا يصدر من الواحد إلا واحد ، أو من علة مركبة ، فيتوجه السؤال نفسه في تركيب العلة ) .
وعن قول الفلاسفة في نظرية الفيض بأن المبدأ الأول فاض عنه العقل الأول ، وبتعقله لعلّته فاض عنه عقل ثانٍ وثالث ، وأفلاك ونفوس .. يرد عليهم فيقول : ( إن ما ذكرتموه من تحكمات ، وهي على التحقيق ، ظلمات فوق ظلمات ، لو حكاه إنسان عن منامٍ رآه ، لاستُدلَ به على سوء مزاجه . وإنه على رأيكم هذا يكون المعلول أشرف من العلة ، من حيث أن العلة ما فاض عنها إلا واحد ، وقد فاض عن هذا ثلاثة : عقل ونفس وفلك ، ومن حيث أن الأول ما عقل إلا نفسه ، والثاني عقل نفسه، ونفس المبدأ ، ونفس المعلولات .. ومن قنع أن يكون قوله في الله تعالى راجعاً إلى هذه الرتبة ، فقد جعله أحقر من كل موجود يعقل نفسه ويعقل غيره ، وقد انتهى بكم التعمق في التعظيم إلى أن أبطلتم كل ما يُفهم من العظمة ، قربتم حاله من حال الميت ، وهكذا يفعل الله بالزائغين ) .
ابن باجه : وُلد في مدينة سرقسطة ، في أواخر القرن الخامس الهجري ..
اعتبر ابن باجه أن العقل أساس السلوك ، وأن المعرفة تُنال به ، وبواسطته تُدرك الموجودات من المادة إلى الله تعالى .. وكان معجباً بالفارابي ، وانتقد الغزالي قائلاً : ( إن الطريق الصحيح في الوصول إلى الله تعالى هو التفكير والتأمل الفلسفي ، لا الأحوال الصوفية وترك التفكير ) .
وفي نظر ابن باجه فإن الغايات التي يرمقها الإنسان ثلاثة أنواع :
جسدية : وهي التي تلبي حاجة الإنسان إذا لم يسمو فوق عالم البهائم .
روحانية جزئية أو خاصة : وتوصل الإنسان إلى الفضائل الخلقية والعقلية .
روحانية كلية أو عامة : وتوصل الإنسان إلى الكمال الإنساني المطلق .
ابن طفيل :وُلد حوالي سنة 506 هجرية في اقليم غرناطة ..
تمتاز الرؤية الفلسفية لابن طفيل بالاعتماد على العقل البشري دون نقل أو تقليد أو تعليم أو إرشاد فلسفي أو ديني ، للوصول إلى الكمال التام باعتماد التفكير الذاتي ..
فما يريد ابن طفيل أن يقوله هو أن العقل الإنساني قادر من غير تعلم ولا إرشاد على إدراك وجود الله تعالى ، وإقامة الأدلة على ذلك .. وبالتالي فإن حكمة مخاطبة الشريعة للناس على قَدَر عقولهم ، هي الحكمة الكاملة ، لأن العقل يعتريه الكلل والعجز حينما يريد أن يتصور ما هو فوق طاقته ..
وقد أفرغ فلسفته هذه في قصته المشهورة ( حي بن يقضان ) .. ففي هذه القصة عرض مسألة الكشف الباطني لإدراك القوة الإلهية ، عبر تطور الإدراك العقلي المجرد عن الشريعة والتربية .. فما وصل إليه بطل قصته ( ابن يقضان ) بالنظر العقلي الخالص يوافق تعاليم الدين ..
ابن رشد : وُلد في قرطبة سنة 520 هجرية ..
كان محباً لأرسطو لدرجة اعتبره فيها الممثل الأكمل للفلسفة ، وأنه أسمى صورة تمثل فيها العقل الإنساني .. ولذلك ألّف كتاباً سماه 0 تهافت التهافت ) رداً على كتاب الغزالي ( تهافت الفلاسفة ) ، وقد دافع ابن رشد عن الفلاسفة ، محاولاً تبرئتهم من الكفر الذي وصفهم به الغزالي .. وبيّن في كتابه ( فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ) أنه لا خلاف بين الفلسفة والشريعة ، لأنه لا خلاف بين العقل والدين ..
والفلسفة عند ابن رشد تجربة بشرية مجردة عن الانتماءات بمختلف أشكالها وصورها .. وفي نظره أن الوحي يتمم العقل ، والنبوة تكمل الفلسفة ..
ويعتقد ابن رشد أنه بالعلم يتم الاتصال بعالم العقول والأرواح .. فيتدرج الإنسان في سموه من الفضائل العملية إلى العلمية ، ومن الحس إلى العقل بالقوة ثم إلى العقل بالفعل ، ثم الاتصال بالعقول المفارقة لتلقي الفيض والإلهام ..
لقد تفلسف ابن رشد في إيضاح معنى القدم والإرادة ، ليبرهن على أن أرسطو والفلاسفة كانوا مؤمنين بوجود الله ، وبأنه يتصف بصفة الإرادة .. يقول ابن رشد في كتابه ( فصل المقال ) : ( وأما مسألة قدم العالم وحدوثه فإن الاختلاف فيها ، عندي ، بين المفكرين من الأشعرية ، وبين الحكماء المتقدمين ، يكاد يكون راجعاً للاختلاف في التسمية ، وبخاصة عند بعض القدماء ، وذلك أنهم اتفقوا على أنها ههنا ثلاثة أصناف من الموجودات : طرفان وواسطة بين الطرفين ، فاتفقوا في تسمية الطرفين ، واختلفوا في الواسطة ، فأما الطرف الواحد فهو موجود وُجد من شيء غيره ، وعن شيء ، أعني عن سبب فاعل ومن مادة ، والزمان متقدم عليه ، أعني على وجوده ، وهذه هي حال الأجسام التي يُدرك تكونها بالحس ، مثل تكّون الماء والهواء والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك ، فهذا الصنف من الموجودات اتفق الجميع من القدماء والأشعريين على تسميتها محدثة . وأما الطرف المقابل لهذا ، فهو موجود لم يكن من شيء ، ولا عن شيء ، ولا تقدمه زمان ، وهذا اتفق الجميع من الطرفين على تسميته ( قديماً ) ، وهذا الموجود مدرك بالبرهان ، وهو الله تبارك وتعالى ، الذي هو فاعل الكل ، وموجده ، والحافظ له سبحانه وتعالى قدره .. وأما الصنف من الموجود الذي بين هذين الطرفين ، فهو موجود لم يكن من شيء ، ولا تقدمه زمان ، ولكنه موجود عن شيء ، أعني عن فاعل ، وهذا هو العالم بأسره .. فهذا الموجود الآخر ، الأمر فيه بيّن : أنه قد أخذ شبهاً من الموجود الكائن الحقيقي ( يعني عالم الشهادة ) ، ومن الموجود القديم ( يعني الله ) ، فمن غلّب عليه ما فيه من شبهة القديم ، على ما فيه من شبهة المحدث ، سماه قديماً ، ومن غلّب عليه ما فيه من شبهة المحدث سماه محدثاً ) ..
إننا نرى أن العثرة التي وقف عندها ابن رشد والفلاسفة الذين يدافع عنهم ، هي عدم تصور الخلق من العدم ، وعدم تصور الزمان ، وبأنه لا زمان قبل خلق العالم وحركته ، هذه العثرة أزالها الغزالي ببرهانه الفلسفي ، ومن بعده العلم الحديث ابتداءً من النظرية النسبية لآينشتاين ..
ويقول ابن رشد في رده على الغزالي من أن الفلاسفة القدماء قالوا إن العالم يصدر عن الله على سبيل الطبع بلا إرادة .. يقول : ( أما قوله عن الفلاسفة ، إنهم يرون أن ما يصدر عن الباري تعالى يصدر عن طريق الطبع ، فقول باطل عليهم ، والذي يرونه في الحقيقة أن صدور الموجودات عنه ، هو بجهة أعلى من الطبيعة والإرادة الإنسانية ، فإن كلتا الجهتين يلحقهما النقصان ، إذ قام البرهان على أنه لا يجوز أن يكون صدور الفعل عنه صدوراً طبيعياً ، ولا صدوراً إرادياً على نحو مفهوم الإرادة ههنا ( أي بين الناس ) ، فهو صادر عنه بجهة أشرف من الإرادة ، ولا يعلم تلك الجهة إلا هو سبحانه وتعالى ، والبرهان على أنه مريد أنه عالم بالضدين ، فلو كان فاعلاً من جهة ما هو عالم فقط ، لفعل الضدين معاً ، وذلك مستحيل ، فوجب أن يكون فعله أحد الضدين باختيار )..
إننا نرى أن ابن رشد ينتهي إلى النتيجة التي انتهى إليها الغزالي نفسه على الرغم من أنه يرد عليه .. فاعجاب ابن رشد بأرسطو وغيره من الفلاسفة ، وحبه لهم .. ونقد الغزالي لتلك الفلسفات ، هو ما دفع ابن رشد لنقد الغزالي بغض النظر عن النتيجة التي سيصل إليها .. لننظر إلى قوله التالي : ( فلا ينبغي أن يُشَك في أن هذه الموجودات قد يفعل بعضها ببعض ، وأنها ليست مكتفية بأنفسها في هذا الفعل ، بل بفاعل من خارج ، فعله شرطٌ في فعلها ، بل في وجودها ، فضلاً عن فعلها ) ..
ابن خلدون : وُلد في تونس سنة 732 هجرية ..
يُعد ابن خلدون علماً من أعلام فلسفة التاريخ والاجتماع الحديث .. وعلى الرغم من أنه لم ينكر العقل ، ولم يُعرض عن العلوم العقلية ، فإنه أعلن فساد منتحلي الفلسفة ، وبالتالي إنكارها ..
لقد وضع ابن خلدون نظرية شاملة تبين انتقال المجتمعات من مرحلة البداوة إلى مرحلة الحضارة .. وبالتالي اعتبر أن للدول أعماراً كما هو الحال للأشخاص .. وتعد العصبية – عند ابن خلدون – الدافع الذي يدفع المجتمعات إلى غاية الملك ، وبعد استقرار الملك ، وأركان الدولة ، تضعف العصبية ، وينتقل الحكم إلى شعب آخر أقوى عصبية..
ورأي ابن خلدون في فلسفة المعرفة بشكل عام يمكننا أن نراه في نصه التالي :( إن تصورات الفكر ، مهما رُدَّت إلى تصورات سابقة ، فليس كل ما يقع في النفس من التصورات يعرف سببه ، إذ لا يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية ، وعلى ترتيبها ، إنما هي أشياء يلقيها الله في الفكر يتبع بعضها بعضاً ، والإنسان عاجز عن معرفة مبادئها وغاياتها ، وإنما يحيط العلماء ، في الغالب ، بالأسباب التي هي طبيعية ظاهرة )
ورأي ابن خلدون في الوجود ، يعتمد فيه على دليل الحدوث .. لننظر إلى نصه التالي : ( إن الحوادث في العالم ، سواء أكانت من الذوات أو من الأفعال ، لا بد لها من أسباب متقدمة عليها ، وكل واحد من هذه الأسباب حادثٌ أيضاً ، فلا بد له من أسباب أخرى ، ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب ، وموجدها ، وخالقها سبحانه لا إله إلا هو ) .
وهكذا نرى أن الفلسفة العربية تأرجحت بين تيارٍ أُعجب بالفلسفة اليونانية فراح ينظر إلى الإسلام من خلالها ، كما فعل معظم الفلاسفة العرب والمسلمين .. وبين تيارٍ استوعب الفلسفة دون أن يجحد روح الإسلام ، فوزن الفلسفة بميزان الإسلام كما فعل الغزالي ..
والملفت للنظر في استعراض أهم الفلاسفة العرب أنه منذ حوالي سبعة قرون لم نرَ فيلسوفاً عربياً أو إسلامياً مميزاً كالغزالي وابن رشد وغيرهما ، وفي الوقت ذاته لم نرَ فقيهاً مميزاً كالفقهاء المعروفين .. وفي هذا دليلنا على أن الفلسفة العربية بكل اتجاهاتها ليست مستقلة عن مد الفكر الإسلامي ، فقد وُلدت في رحم الفكر الإسلامي ، ووصلت أوجها في أوج مد الفكر الإسلامي ، ووصلت الحضيض في تراجع مد الفكر الإسلامي ..
وعلى الرغم من أن بعض فلاسفة الهند يعتقدون هم وأتباعهم أنهم حاملو رسالات سماوية إصلاحية للبشر ، وعلى الرغم من أن سقراط كان يعتبر نفسه مبعوثاً من الآلهة ومكلفاً لتنبيه الناس أنهم يدعون الحكمة وليسوا حكماء .. على الرغم من ذلك فإن هذه الفلسفات جميعها كانت غير مؤطرة بنصوص سماوية تكون ميزاناً لفلسفة الأمة بعيداً عن أولئك الفلاسفة .
نحن لا ننكر أنه من الممكن أن يكون بعض تلك الفلسفات عبارة عن نهايات لرسالات سماوية حُرفت مع الزمن ، لأننا نرى في هذه الفلسفات رؤىً عظيمة ورسالات إصلاحية هامة .. ولا نجحد عظمة تلك العقول التي أضاءت الكثير من الحقائق ، والتي فتحت آفاقاً جديدة للتفكر ولسمو النفس الإنسانية .. ولكن الفيلسوف – في تلك الفلسفات – يصدر عنه النص الفلسفي وبالتالي هو التمثل البشري لفلسفته ، وقد رأينا كيف أن ابن رشد اعتبر أرسطو الممثل الأكمل للفلسفة ، وأنه أسمى صورة تمثل فيها العقل الإنساني ..
أما في الفلسفة العربية فلا نرى ذلك على الإطلاق .. فكل الفلاسفة العرب ، على إطلاق مفهوم الفلسفة الذي يشمل علماء الفقه والعقيدة .. كلهم يُوضعون في ميزان القرآن الكريم ، ودورهم الفلسفي لا يتعدى ادراك دلالات ما يحمله القرآن الكريم من فلسفة الوجود وفلسفة المعرفة وفلسفة الحياة بشكلٍ عام ..
فنظرية الفيض التي جُرف بتيارها بعض الفلاسفة العرب كالفارابي وابن سينا ، لم تلقَ آذاناً صاغية ذات قيمة في الفكر العربي ، لأنها ليست نابعة من دلالات القرآن الكريم ، فهي – كما رأينا – ليست أكثر من محاولة للنظر إلى مفهوم الخالق الذي خلق كل شيء – كما يؤكد القرآن الكريم – من منظار فلسفة غريبة عن فكر هذه الأمة ، تعتبر أن صدور الأشياء المركبة عن الله تعالى تقتضي أن الله تعالى مركب ، وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وقد رأينا كيف رد الغزالي على ذلك ..
ومحاولة ابن سينا للتوفيق بين رأي أرسطو أن الله تعالى لا يعقل إلا ذاته وأن علم الله تعالى بالجزئيات لا يتفق مع كماله ، وبين ما يقره القرآن الكريم من أن اللع تعالى يعلم كل شيء من الجزئيات إلى الكليات ، هو ما دفع ابن سينا – كما رأينا – للقول بأن الله تعالى يعقل الأشياء بسبب توافر علم أسباب وقوعها – أي أن الأشياء الجزئية تعقل كما تعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها .. وهذا الرأي نرى أنه لم يجد آذاناً صاغية في الفكر الإسلامي لأنه نابعاً من دلالات القرآن الكريم ..
ومحاولة ابن رشد للتوفيق بين الفلاسفة القدماء من أن العالم يصدر عن الله تعالى على سبيل الطبع بلا إرادة ، وبين صريح القرآن الكريم من أن الله تعالى يفعل ما يريد حيث قال ابن رشد : ( لا يجوز أن يكون صدور الفعل عنه – أي عن الله تعالى – صدوراً طبيعياً ، ولا صدوراً إرادياً على نحو مفهوم الإرادة ههنا – أي بين الناس - ) هذه المحاولة هي الأخرى بقيت بعيدة عن فكر هذه الأمة ، وإن وجدت آذاناً صاغية في أممٍ أخرى ..
إذاً الفلسفة العربية تأرجحت بين النظر إلى الفلسفات الأخرى من منظار القرآن الكريم ، وبين النظر إلى القرآن الكريم من منظار الفلسفات الأخرى ..
وأخيراً اعتبر هذه المحاضرة مفتاحاً لباب الحوار ، الذي ربما يكون شرارةً لرؤى جديدة ، قد تقودنا ليس إلى إدراك أمثل لحقيقة الفلسفة العربية في الماضي فحسب ، بل إلى تصور حدود الفلسفة العربية في المستقبل ..
نقلا عن :: المهندس عدنان الرفاعي
مع الاحترام الجزيل
الفارس النبيل