المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في غزة : كل شيء تمام .... بقلم : موسى أبوكرش


ركان
01-06-2010, 01:13 AM
في غزة : كل شيء تمام .... بقلم : موسى أبوكرش

" الحياة أسود من داير أمي"بهذه العبارة الكابية، لخصت هدى "الواترة والموتورة " في آن طبيعة الحياة التي تعيشها في ظل الانقسام الفلسطيني، وذلك في المشهد الأول من مسرحية"كل شيء تمام "التى شهد عرضها الأول، على خشبة مسرح سعيد المسحال بغزة مساء السبت، حضور نوعي كثيف من الجنسين، طغى عليه العنصر الأنثوي. ولهذا الحضور النسوي ما يبرره، فالمسرحية تعالج نتفًا من الهموم والشجون النسوية الكثيرة، التي تعاني منها النساء في فلسطين، بشكل عام، وفي غزة بشكل خاص، خلال حقب زمنية متداخلة ومتتابعة.

بداية، النص ليس جديداً على المسرح الغزي، إذ إنه قراءة ثانية لمسرحية " بيرفيكت"للدكتور عاطف أبوسيف، التى عُرضت في غزة قبل بضعة أعوام، وأمام هذه المعالجة الجديدة الدرامية للنص، وجد المخرج القدير الدكتور حسين الأسمر نفسه مضطرًا لاستخدام تكنيكات جديدة، وبسيطة ومبهرة، خلال مشاهد المسرحية واسكيتشاتها الثمانية، بمساعدة رسمي دامو مصمم الملابس والرقصات والإسيكيتشات لهدف واحد هو تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية التى وجدت المرأة الفلسطينية نفسها ترزح تحت نيرها، وتُقيد بأغلالها، وتسبح في إتونها، في أزمنة الإقطاع والاستعمار والسلطة وشجونها وصراعاتها الدامية.

كشفت الإضاءة الأولى للعرض، أن لا ثمة ديكور يزين خشبة المسرح وأن الديكور في مجمله لا يزيد على ثلاث ستائر بيضاء، تتدلى أمام خلفية سوداء استعان بها المخرج من خلال الضوء والظل لإظهار بعض لقطات"الفلاش باك" والحيل المسرحية التوضيحية.
لعب دور البطولة في المسرحية ثلاث فتيات، وهن : إيناس السقا وسماح الشيخ ذيب، ومي أبوزيان، فيما مثل نضال دامو دور رجل السلطة في تجلياتها المختلفة خلال مشاهد المسرحية باقتدار بارع.

بدأ المشهد الأول بثلاثة أكفان، أو شرانق، تزحف لتتبين مصدر الصوت، صوت الطاغية "سيد الأرض" وموئل النعم، ناشر الأمن والأمان في الاصقاع والربوع، الصوت المزمجر، صوت السلطة المهدد المتوعد، الصادر من رجل بلباس أوروبي، يختفي الصوت فجأة، فتبدأ الأجساد الهلامية التحرل بحركات تعبيرية، على إيقاعات موسيقية للتخلص من شرانقها، وكان وجه هدى "إيناس السقا، هو أول الوجوه التى أسفرت، ليبدأ الحوار في تصاعده الدرامي كاشفاًَ عن مأساة هدى "الواترة والموتورة "بصورة تعيد الى الأذهان مأساة جليلة بنت مرة، أخت جساس، قاتل زوجها كليب، ومشعل حرب البسوس، ففي ظل الصراع الدامي على السلطة، وجت هدى نفسها ضحية لصراع لا شأن ولا قبل لها به، فأخوها أطلق النار على زوجها، وزوجها أطلق النار على أخيها، "ماتوا برصاص بعضهم البعض..أخوي قتل جوزي وجوزي قتل أخوي..والاثنين ماتوا" مما يزيد من مرارتها وشجونها ومعاناتها"أن الاثنين كانوا أصدقاءً، انولدوا في شهر واحد، ودرسوا في صف واحد" ولذا لم تعد ترى إلا الجانب القاتم من الحياة، "تصف هدى حالها وتقول: "أنا زي اللي طالعه من القبر !"وتصرخ في مواجهة أعباء فرضت عليها" انا ضايعة..أنا في ليل.. أنا في كابوس!!، نفسي أفتح عيني وأغمضها وألاقى حالي بعيدة "وفي صرخة مدوية، تصف حياتها بأنها باتت" أسود من داير أمها"والداير هو تنورة طويلة تصنع من التوبيت.. القماش الشديد السواد، كانت تلبسه النساء في المخيمات والمناطق الجنوبية في القطاع القرن الماضي.

حال هدى على ما فيه من مرارة، لا يقل مأساوية عن حال نغم "سماح" التي فقدت طموحها بالإلتحاق بالجامعة، وتحقيق رغبتها بأن تصبح مهندسة معمارية، فمعدلها المرتفع في الثانوية العامة وتفوقها، لم يشفعا لها أمام تعنت أبيها، وإصراره على تزويجها من ابن أخيه المقيم في دمشق..فالأولوية لديه، جمع شمل اخوته الذين نزحوا عام سبعة وستين، ولم يرهم منذ أكثر من أربعين عامًا، وعلى نغم أن تنتظر جمع شمل العريس لتتزوج، بعد أن فشلت "أوسلو وأرقامها الوطنية في استرداده وعودته"، لتضيف مع الوقت مأساة جديدة الى مأساتها، بعد أن بات شبح العنوسة يهددها، ويطاردها، ولذلك ما انفكت تصرخ طوال مشهدها الحواري الثاني والذي بدأ برقصة تعبيرية جميلة:"يا ناس بدي أزوج..بدي أعيش."

أما المشهد الثالث فقد سلط الضوء على مأساة المرأة الفلسطينية في عهد الإقطاع، وكان صوت سوط الإقطاعي يتقاسم المشهد مع صراخ الإقطاعي، فيما انشغلت النسوة بتجسيد مشهد فصل البذار على ايقاع موسيقي حزين، وهذا المشهد بالذات كان من الممكن الإستغناء عنه واستبداله بمشهد آخر يسلط الضوء على جانب آخر من معاناة المرأة، ولاسيما زوجات الأسرى والعمال وبطالة الخريجات الجامعيات.
وأخيرًا جاء دور الطالبة الجامعية، والتى بدت للوهلة الاولى أكثر قوة وصلابة من زميلاتها، فالحياة الجامعية منحتها الفرصة للتفكير والثقة بالذات، كما أن حياتها في كنف والدها الدكتور، قد وفرت لها الحماية والضمان والاستقلالية النسبية لتحقيق ذاتها، والتمتع بهواياتها الجامعية، من خلال الإنضمام لفرقة " الدبكة الشعبية"، وان لم يكشف لنا الحوار، ما إذا كان أبوها طبيبا أم استاذا جامعيا، بيد أنه سرعان ما كشف لنا أن حياة هذه الطالبة لم تخل من منغصات، فأبناء عمومتها دسوا أنوفهم لدى والدها طالبين منه منع ابنته من الرقص، وعندما أوضح لهم أنها لا ترقص، وإنما، تلعب الدبكة، أكدوا له ان الدبكة "هز وسط أيضا!"ومع ذلك لم تستسلم بل مضت في حوار فكري مجهد لاقناع زميلتيها بخطأ مواقفهما، وضرورةعدم الإستسلام لليأس والقنوط، ويبدو ان موقفها واصرارها قد أثمرا في المشهد الأخير، وذلك في التحول الذي طرأ على شخصية زميلتيها وتصديهن مجتمعات للشبح الذي كان السبب المباشر في مأساتهن، ليسدل الستار بأغنية عذبة بصوت الفنانة رولا بخيت ولا زمتها الجماعية المعبرة الموحية : حنغني لبكره.. للرجال.. للبشر للحجر.. للفكرة.. للرملة لمحناية.

رافعة المسرحية كان بحق نضال دامو الذي أدى باقتدار ونجاح سلسلة أدوار رجل السلطة، إقطاعيًا ومستعمرًا مستغلاً وسياسياً طاغياً، ورجل دين وعسكرياًً وشبحًا وحتى شيطانًا. وكان أداء ايناس مميزًا ومقنعًا، وأعطت سماح ومي كثيرًا مما لديهما، ما ساهم في نجاح العمل.

"كل شيء تمام"، عمل مسرحي حقيقي، تعاون فيه الجميع لإخراج مسرحية تستحق المشاهدة، رغم الهنات البسيطة في النص "واللخبطة "المتعمدة للازمنة، وتميز العمل فوق ذلك بالإضاءة التى تولاها طارق حمد، والصوت لمحمد صبحي، والألحان الجميلة لعبد المنعم عدوان، ورولا بخيت التي غنت فأطربت وأجادت وشنفت، بقي أن نقول ان مسرحية كل شيء تمام ما كان لها أن ترى النور، لولا دعم مؤسسة فكرة، وإشراف طاقم شؤون المرأة.

م.النصيري
01-06-2010, 01:38 AM
http://img230.imageshack.us/img230/8408/7cchlorophyllinleaves.jpg

أحـمـد صـافي
01-19-2010, 09:06 AM
الكاتب القدير // ركان

أسعدت بقراءة المقال هذا و تحديدا ً لأنه يحكي عن غزة

سلمت يمناك , و يعطيك العافية

دمت الشريان النابض لملتقى
تحيتي